التبيان

الجبالِ، وقالوا: يا رَبُّ؛ هل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالوا: يا رَبُّ؛ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الحديد؟ قال: نعم، النَّار. قالوا: يا ربُّ؛ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من النَّار؟ قال: نعم، الماء. قالوا: يا رَبُّ؛ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالوا: يا رَبُّ فهل مِنْ خَلْقِكَ شيءٌ أشدُّ من الريح؟ قال: نعم، ابنُ آدم، تصدَّقَ بصدقةٍ بيمينه يُخفِيها مِنْ شِمَاله"؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده"١.

وفي الترمذي٢ في حديث قصة عادٍ أنَّه لم يرسل عليهم من الرِّيح إلا قَدْر حَلْقَةِ الخَاتَم، فلم تَذَرْ من شيءٍ أَتَتْ عليه إلا جَعَلَتْه كالرَّمِيم.

وقد وَصَفَها اللهُ - سبحانه - بأنَّها عاتيةٌ؛ قال البخاري في "صحيحه"٣: "عَتَتْ على الخَزَنَة"، فلم يستطيعوا أنْ يردُّوها.

  1. (١) أخرجه: أحمد في "المسند" (٣/ ١٢٤)، والترمذي في "سننه" رقم (٣٣٦٩)، وعبد بن حميد في "المنتخب" رقم (١٢١٣)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٤٣١٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣١٦٧)؛ بسندٍ ضعيف.
    ولفظ الترمذي: "فقال بها عليها"، وعند الباقين: "فألقاها عليها".
  2. (٢) أخرجه: الترمذي في "سننه" رقم (٣٢٧٣ و٣٢٧٤)، وأحمد في "المسند" (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢)، والطبراني في "الكبير" (٣/ رقم ٣٣٢٥).
    وحسنه الألباني في "السلسلة الضعيفة" رقم (١٢٢٨).
  3. (٣) علقه البخاري عن ابن عيينة في موضعين من "صحيحه":
    الأول: كتاب الأنبياء، باب: قول الله ﷿: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ شديدة ﴿عَاتِيَةٍ ٦﴾ [الحاقة: ٦]، (٣/ ١٢١٨).
    والثاني: كتاب التفسير، سورة الفرقان (٤/ ١٧٨٣).
    وجاء نحوه عن علي بن أبي طالب ﵁ أنَّه قال: "لم ينزل الله شيئًا من الريح إلا بوزنٍ على يدي مَلَكٍ، إلا يوم عادٍ فإنَّه أَذِنَ لها دون =
428

والمقصود أنَّ الرِّياح من أعظم آيات الرِّبِّ، الدَّالَّة على عظمته، وربوبيته، وقدرته.

فصل

ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بـ "السَّحَاب"، وهو من أعظم آياته، بُخَارٌ يُنْشِئه اللهُ١ في الجَوِّ في غاية الخِفَّة، ثُمَّ يحمل الماءَ والبَرَدَ، فيصير أثقلَ شيءٍ، فيأمر الرِّياح، فتحمله على مُتُونها، وتسير به حيث أُمِرَت، فهِو مُسَخَّرٌ بين السماء والأرض، حامِلٌ لأرزاق العباد والحيوان، فإذا أَفْرَغَه حيث أُمِر به اضْمَحَلَّ وتَلَاشَى بقدرة الله، فإنَّه لو بَقِيَ لأَضَرَّ بالنَّبَات والحيوان. فأنشأَهُ - سبحانه - في زمنٍ يصلح إنشاؤه فيه، وحمَّلَهُ من الماء ما تحمَّلَه، وساقَهُ إلى بلدٍ شديدِ الحاجةِ إليه.

فَسَلِ "السَّحَاب": مَنْ أنشأه بعد عَدَمِهِ؟ ومَنْ حمَّلَهُ الماءَ والثَّلْجَ والبَرَدَ؟ ومَنْ حَمَلَهُ على ظهور الرِّياح؟ ومَنَ أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد؟ ومَنْ أغاثَ بقَطْرِهِ العبادَ، وأحيا به البلادَ، وصرَّفَهُ بين خلقه كما أراد؟ وأخرج ذلك القطر بقَدْرٍ معلومٍ، وأنزله منه، وأَفْنَاهُ بعد الاستغناء عنه، ولو شاء لأَدَامَهُ عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلًا، ولو شاء لأَمْسَكَهُ عنهم فلا يجدون إليه وصولًا، فإنْ لم٢ يُجِبْكَ حِوَارًا؛ أجابك اعتبارًا.

  1. = الخُزَّان، فَعَتَت على الخُزَّان".
    عزاه الحافظ في "الفتح" (٦/ ٤٣٤) إلى ابن أبي حاتم، وقال: "بإسنادٍ صحيحٍ".
  2. (١) "بخارٌ يُنْشِئه الله" ساقط من (ح).
  3. (٢) ساقط من (ز).
429

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي