التبيان

والمقصود أنَّ الرِّياح من أعظم آيات الرِّبِّ، الدَّالَّة على عظمته، وربوبيته، وقدرته.

فصل

ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بـ "السَّحَاب"، وهو من أعظم آياته، بُخَارٌ يُنْشِئه اللهُ١ في الجَوِّ في غاية الخِفَّة، ثُمَّ يحمل الماءَ والبَرَدَ، فيصير أثقلَ شيءٍ، فيأمر الرِّياح، فتحمله على مُتُونها، وتسير به حيث أُمِرَت، فهِو مُسَخَّرٌ بين السماء والأرض، حامِلٌ لأرزاق العباد والحيوان، فإذا أَفْرَغَه حيث أُمِر به اضْمَحَلَّ وتَلَاشَى بقدرة الله، فإنَّه لو بَقِيَ لأَضَرَّ بالنَّبَات والحيوان. فأنشأَهُ - سبحانه - في زمنٍ يصلح إنشاؤه فيه، وحمَّلَهُ من الماء ما تحمَّلَه، وساقَهُ إلى بلدٍ شديدِ الحاجةِ إليه.

فَسَلِ "السَّحَاب": مَنْ أنشأه بعد عَدَمِهِ؟ ومَنْ حمَّلَهُ الماءَ والثَّلْجَ والبَرَدَ؟ ومَنْ حَمَلَهُ على ظهور الرِّياح؟ ومَنَ أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد؟ ومَنْ أغاثَ بقَطْرِهِ العبادَ، وأحيا به البلادَ، وصرَّفَهُ بين خلقه كما أراد؟ وأخرج ذلك القطر بقَدْرٍ معلومٍ، وأنزله منه، وأَفْنَاهُ بعد الاستغناء عنه، ولو شاء لأَدَامَهُ عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلًا، ولو شاء لأَمْسَكَهُ عنهم فلا يجدون إليه وصولًا، فإنْ لم٢ يُجِبْكَ حِوَارًا؛ أجابك اعتبارًا.

  1. = الخُزَّان، فَعَتَت على الخُزَّان".
    عزاه الحافظ في "الفتح" (٦/ ٤٣٤) إلى ابن أبي حاتم، وقال: "بإسنادٍ صحيحٍ".
  2. (١) "بخارٌ يُنْشِئه الله" ساقط من (ح).
  3. (٢) ساقط من (ز).
429

وَسَلِ "الرِّياح": مَنْ أنشأها بقدرته؟ وصرَّفها بحكمته، وسخَّرها بمشيئته، وأرسلها بُشْرًا١ بين يدي رحمته، وجعلها سببًا لتمام نعمته، وسلَّطها على من شاء بعقوبته؟ ومَنْ جعلها رُخَاءً، وذَارِيَةً، ولاقِحَةً، ومثيرةً، ومؤلِّفَةً، ومغذِّيةً لأبدان الحيوان، والشجرِ، والنَّبَاتِ؟ وجعلها قاصِفًا، وعاصِفًا، ومُهْلِكَةً، وعاتيةً؟ إلى غير ذلك من صفاتها. فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم بتدبير مُدَبِّرٍ شَهِدَت الموجوداتُ بربوبيته، وأقرَّت المصنوعاتُ بوحدانيته، بيده النَّفْعُ والضُّرُّ، وله الخَلْق والأمر، تبارك الله ربُّ العالمين.

وَسَلِ "الجَارِيات يُسْرًا" مِنَ السُّفُن مَنْ٢ أَمْسَكَها على وجه الماء؟ ومَنْ سخَّرَ لها البحر؟ ومَنْ أرسل لها الرِّياح التي تَسُوقها في الماء سَوقَ السَّحَاب على مُتُون الرِّياح؟ ومَنْ حَفِظَها في مَجْرَاها ومُرْسَاها مِنْ طغيان الماء وطَغيان الرِّيح؟ فمَنِ الذي جعل الرِّيح لها بقَدْرٍ لو زَادَ عليها لأغرقها؛ ولو نقص عنه لَعَاقَها؟

ومَنِ الذي أجرى لها ريحًا واحدةً تسير بها، ولم يسلِّطْ على تلك الرِّيح ما يُصَادِمها ويُقَاوِمها، فَتَتَموَّج في البحر يمينًا وشمالًا تتلاعب بها الرِّياح؟

ومَنِ الذي علَّمَ الخَلْقَ الضعيفَ صَنْعَةَ هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء٣، فيقطع المسافة البعيدة، ويعود إلى بلده، يَشُقُّ الماءَ ويَمْخُرُه، مُقْبِلًا ومُدْبِرًا بريحٍ واحدةٍ، تجري في موجٍ

  1. (١) في (ن) و(ح) و(ط): نُشْرًا، وكلاهما صحيح.
  2. (٢) ساقط من (ح).
  3. (٣) "يمشي على الماء" ملحقٌ بهامش (ن).
430

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي