التبيان

كالجبال؛ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ٣٢ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ٣٣ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ٣٤﴾ [الشورى: ٣٢ - ٣٤].

ومَنِ الذي حَمَلَ في هذا البيت نبيَّهُ وأولياءَهُ خاصةً، وأغرقَ جميعَ أهل الأرض سواهم؟

وَسَلِ "الجاريات يُسْرًا" من الكواكب، والشمس، والقمر: مَنِ الذي خَلَقها، وأحسن خَلْقها، ورفع مكانها، وزيَّنَ بها قُبَّةَ العالَم؟ وفَاوَتَ بين أشكالها، ومقاديرها، وألوانها، وحركاتها، وأماكنها من السماء، فمنها الكبير، ومنها الصغير، والمتوسِّط، والأبيض، والأحمر، والزُّجَاجيُّ اللَّون، والدُّرِّيُّ اللَّون؟ والمتوسِّطُ في قُبَّةِ الفُلْك، والمتطرِّفُ في جوانبها، وبين ذلك؟

ومنها ما يقطع الفُلْك في شهرٍ، ومنها ما يقطعه في عامٍ، ومنها ما يقطعه في ثلاثين عامًا، ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك.

ومنها ما لا يزال ظاهرًا لا يغيب بحال، فهو أَبَدِيُّ الظُّهور، ومنها أَبَدِيُّ الخَفَاء، ومنها ما له حالتان: ظهورٌ، واختفاءٌ.

ومنها ما له حركتان:

١ - حركةٌ عَرَضِيَّةٌ من المشرق إلى المغرب.

٢ - وحركةٌ ذاتيةٌ من المغرب إلى المشرق.

فَحَالَ ما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكبٌ آخر في مقابلته، وكوكبٌ آخر قد طَلَع، وهو آخِذٌ في الارتفاع والتصاعد، وكوكبٌ

431

آخر١ في الرُّبْعِ الشَّرْقيِّ، وكوكبٌ آخر في وسط السماء، وكوكبٌ آخر قد مَالَ عن الوسط، وآخر قد دَنَا من الغروب، وكأنَّ رَقِيبَهُ ينتظر بطلوعه غَيبته.

وأنتَ إذا تأمَّلتَ أحوال هذه الكواكب وجدتها تدلُّ على المَعَاد كما تدلُّ على المبدأ، وتدلُّ على وجود الخالق، وصفات كماله، وربوبيته، وحكمته، ووحدانيته = أعظمَ دلالة.

وكلُّ ما دَلَّ على صفات جلاله ونعوت كماله دلَّ على صِدْق رُسُله، فكما جعل اللهُ - تعالى - النُّجُومَ هدايةً في طُرق البَرِّ والبحر، فهي هدايةٌ في طُرُق العلم بالخالق - سبحانه - وقدرته، وعلمه، وحكمته، والمبدأ، والمَعَاد، والنُّبوَّة.

ودلالتها على هذه المطالب لا تَقْصُر عن دلالتها على طُرُق البرِّ والبحر، بل دلالتها للعقول على ذلك أظهرُ من دلالتها على الطُرُقِ الحِسِّيَّةِ، فهي هدايةٌ في هذا وهذا.

فصل

وأمَّا دلالةُ "المُقَسِّماتِ أمرًا" وهم الملائكة؛ فَلِأَنَّ ما يُشَاهَد من تدبير العالَم العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ وما لا يُشَاهَد إنَّما هو على أيدي الملائكة، فالرَّبُّ - تعالى - يدبِّرُ بهم أمر العالَم، وقد وكَّل بكلِّ عملٍ من الأعمال طائفةً منهم: فوكَّل بالشمس، والقمر، والأفلاك٢، والنُّجُوم طائفةً منهم، ووكَّل بالقَطْر والسَّحاب طائفةً، ووكَّل بالنَّبَات طائفةً، ووكَّل

  1. (١) من قوله: "في مقابلته وكوكب آخر قد طلع. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
  2. (٢) "والأفلاك" ملحق بهامش (ن).
432

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي