كما يوصف المتكلِّم بأنَّه صادِقٌ في كلامه، يُوصف كلامه بأنَّه: صادِقٌ١. وهذا مثل قولهم: سرٌّ كاتم، وليلٌ قائمٌ، ونهارٌ صائمٌ، وماءٌ دافقٌ، ومنه: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ٢١﴾[الحاقة: ٢١]، وليس ذلك بمَجَازٍ، ولا مخالفٍ لمقتضى التركيب.
وإذا تأمَّلتَ هذا التناسُبَ والارتباطَ بين المُقْسَم به والمُقْسَم عليه؛ وجدته دالًّا عليه، مرشدًا إليه.
ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بـ "السماء ذات الحُبُك".
أصل "الحَبْكِ" في اللغة: إجَادَةُ النَّسْج. يقال: حَبَكَ الثوبَ؛ إذا أجاد نَسْجَه. وحَبْلٌ محبوكٌ؛ إذا كان شديد الفَتْل. وفَرَسٌ مَحْبُوكُ الكَفَلِ، أي: مُدْمَجُه.
وقال شَمِرُ٢: "المَحْبُوكُ في اللغة: ما أُجيد عمله"٣، "ودابَّةٌ مَحْبُوكَةٌ: إذا كانت مُدْمَجَة الخَلْق".
وقال أبو عبيدة، والمبرِّد: "الحُبُكُ: الطرائقُ، واحدها: حِبَاك. وحِبَاكُ الحَمَام: طرائق على جَنَاحَيه. وحُبُك الماء: طرائقه"٤.
(١) في (ز): صدق.
(٢) هو أبو عمرو، شَمِر بن حَمْدويه الهروي، كان ثقةً عالمًا فاضلًا، حافظًا للغريب، راويةً للأشعار والأخبار، توفي سنة (٢٢٥ هـ) ﵀. انظر: "نزهة الألباء" (١٩٦)، و"إنباه الرواة" (٢/ ٧٧). وقد تصحف في جميع النسخ إلى: شهر!
(٣) هذا كلام أبي إسحاق الزجاج في "معاني القرآن" (٥/ ٥٢)، وما بعده من كلام شَمِر، وانظر: "تهذيب اللغة" (٤/ ١٠٨).
وقال الفَرَّاء: "الحُبُك: تَكَسُّرُ١ كلِّ شيءٍ، كالرَّمْلِ إذا مرَّتْ به الرِّيح، والماءِ الدائم إذا مَرَّتْ به الرِّيح. وتَجَعُّدُ الشَّعْر حُبُكٌ أيضًا، واحدها: حَبِيكة؛ مثل: طَرِيقة وطُرُق. وحِبَاك؛ مثل: مِثَال ومُثُل"٢.
والمقصود بهذا كلِّه ما أفصح به ابن عباس، فقال: "يريد الخَلْقَ الحَسَنَ"٣.
وروى سعيد بن جبير عنه قال: "الحُبُكُ: حُسْنُها واستواؤُها"٤.
وقال قتادة: "ذات الخَلْق الشديد"٥.
وقال مجاهد: "مُتْقَنَةُ البُنْيَان".
وقال أيضًا: "ذات الطرائق ولكنها بعيدةٌ من العباد فلا يرونها،
= قال المرصفي في "رَغبة الآمل" (١/ ١٦١) معقِّبًا على المبرِّد: "الصواب أن يقول: فالمحبوك: الذي أُحكم خَلْقُه، مِنْ: حَبَكْتُ الثوبَ إذا أحكمتُ نَسْجَه. ثم يقول: والمحبوك - أيضًا - الذي فيه طرائق، فيكون معنىً ثانيًا للكلمة".
(١) في جميع النسخ: تكسير، والتصويب من "معاني الفَرَّاء".
(٢) "معاني القرآن" (٣/ ٨٢).
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٤٥).
(٤) أخرجه: الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٤٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣١١)، وأبو الشيخ في "العظمة" رقم (٥٥٤). وعزاه الحافظ في "الفتح" (٨/ ٤٧٧) إلى: الفريابي، والطبري، وقال: "إسناده صحيحٌ".
(٥) أخرجه: عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٤٢)، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٤٥)، ولفظه: "ذات الخَلْق الحَسَن". وأما اللفظ الذي ذكره ابن القيم هنا فهو من كلام أبي صالح الحنفي عبد الرحمن بن قيس، أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" رقم (٥٤٤).