التبيان

الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣].

وقالت طائفةٌ: الضمير يرجع إلى القرآن.

وقيل: إلى الإيمان.

وقيل: الرسول.

والمعنى: يَصْرِفُ عنه من صَرَفَ حتَّى يكذِّبَ به.

ولمَّا كان هذا "القول المُخْتَلِف" خَرْصًا وباطلًا قال: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ١٠﴾؛ أي: الكذَّابون، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ وجَهَالةٍ قد١ غَمَرَ قلوبهم - أي: غَطَّاها، وغشَّاها، كغَمْرَة الماء، وغَمْرَة الموت؛ فَغَمَراتٍ - ما غطَاها من جهلٍ، أو هَوَىً، أو سُكْرٍ، أو غَفْلةٍ، أو حُبٍّ، أو بُغْضٍ، أو خوفٍ، أو هَمٍّ وغمٍّ، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون: ٦٣]؛ أي: غَفْلَة، وقيل: جهالة.

ثُمَّ وصفهم بأنَّهم ساهون في غَمْرتهم، و"السَّهْو": الغَفْلَةُ عن الشيء، وذهابُ القلب عنه.

والفرق بينه وبين "النِّسْيَان": أنَّ "النِّسْيَانَ" الغفلةُ بعد الذِّكْر والمعرفة، و"السَّهْو" لا يستلزم ذلك٢.

ثُمَّ قال: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ١٢﴾ استبعادًا لوقوعه وجَحْدًا، فأخبر - تعالى - أنَّ ذلك ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ١٣﴾.

  1. (١) في (ز): ثم.
  2. (٢) انظر: "مفردات القرآن" للراغب (٤٣١)، و"الفروق" للعسكري (١٤٥).
438

والمشهور في تفسير هذا الحرف أنَّه بمعنى: يُحْرَقُون١، ولكن لفظة "على" تعطي معنىً زائدًا على ما ذكروه، ولو كان المراد نفس الحريق لقيل: يوم هم في النَّار يفتنون٢.

ولهذا لمَّا عَلِمَ هؤلاء ذلك قال كثيرٌ منهم: "على" بمعنى "في"، كما تكون "في" بمعنى "على".

والظاهر أنَّ فتنتهم على النَّار قبلَ فتنتهم فيها، فَلَهُم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنةٌ، وعند دخولها والتعذيب بها فتنةٌ أشدُّ منها.

فَهُم ومَنْ جعل "الفتنةَ" هاهنا من: الحريق؛ أخذه من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]، واستشهد على ذلك - أيضًا - بهذه اللفظة التي في "الذَّاريات".

وحقيقة الأمر أنَّ "الفتنة" تطلق على العذاب وسببه، ولهذا سمَّى اللهُ الكفر: فتنةً، فهم لمَّا أَتَوا بالفتنة -التي هي أسباب العذاب - في الدنيا سمَّى جزاءهم: فتنةً، ولهذا قال: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾، وكان وقوفُهم على النَّار وعرضُهم عليها من أعظم فتنتهم، وآخر هذه الفتنة دخولُ النَّار، والتعذيبُ بها.

فَفُتِنُوا أوَّلًا بأسباب الدنيا وزينتها، ثُمَّ فُتِنُوا بإرسال الرُّسُل إليهم، ثُمَّ فُتِنُوا بمخالفتهم وتكذيبهم، ثُمَّ فُتِنُوا بعذاب الدنيا، ثُمَّ فُتِنُوا بما بعد

  1. (١) قال ابن عطية: "و"يفتنون" معناه: يُحرقون ويعذَّبون في النَّار، قاله: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والجميع. ومنه قيل للحَرَّة: فَتِينٌ؛ كأنَّ الشمسَ أحرقت حِجَارتها". "المحرر الوجيز" (١٤/ ١٠).
  2. (٢) من قوله: "والمشهور في تفسير. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
439

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي