التبيان

والمشهور في تفسير هذا الحرف أنَّه بمعنى: يُحْرَقُون١، ولكن لفظة "على" تعطي معنىً زائدًا على ما ذكروه، ولو كان المراد نفس الحريق لقيل: يوم هم في النَّار يفتنون٢.

ولهذا لمَّا عَلِمَ هؤلاء ذلك قال كثيرٌ منهم: "على" بمعنى "في"، كما تكون "في" بمعنى "على".

والظاهر أنَّ فتنتهم على النَّار قبلَ فتنتهم فيها، فَلَهُم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنةٌ، وعند دخولها والتعذيب بها فتنةٌ أشدُّ منها.

فَهُم ومَنْ جعل "الفتنةَ" هاهنا من: الحريق؛ أخذه من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]، واستشهد على ذلك - أيضًا - بهذه اللفظة التي في "الذَّاريات".

وحقيقة الأمر أنَّ "الفتنة" تطلق على العذاب وسببه، ولهذا سمَّى اللهُ الكفر: فتنةً، فهم لمَّا أَتَوا بالفتنة -التي هي أسباب العذاب - في الدنيا سمَّى جزاءهم: فتنةً، ولهذا قال: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾، وكان وقوفُهم على النَّار وعرضُهم عليها من أعظم فتنتهم، وآخر هذه الفتنة دخولُ النَّار، والتعذيبُ بها.

فَفُتِنُوا أوَّلًا بأسباب الدنيا وزينتها، ثُمَّ فُتِنُوا بإرسال الرُّسُل إليهم، ثُمَّ فُتِنُوا بمخالفتهم وتكذيبهم، ثُمَّ فُتِنُوا بعذاب الدنيا، ثُمَّ فُتِنُوا بما بعد

  1. (١) قال ابن عطية: "و"يفتنون" معناه: يُحرقون ويعذَّبون في النَّار، قاله: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والجميع. ومنه قيل للحَرَّة: فَتِينٌ؛ كأنَّ الشمسَ أحرقت حِجَارتها". "المحرر الوجيز" (١٤/ ١٠).
  2. (٢) من قوله: "والمشهور في تفسير. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
439

الموت، ثُمَّ يُفْتَنُون١ في موقف القيامة، ثُمَّ إذا حُشِرُوا إلى النَّار ووُقِفُوا عليها، وعُرِضُوا عليها، وذلك من أعظم فتنتهم، ثُمَّ الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن قبلها.

فصل

ثُمَّ ذكر - سبحانه - جزاء من خَلَصَ من هذه الفتن بالتقوى، وهو: الجَنَّاتُ والعيون، وأنَّهم آخذون ما آتاهم ربُّهم من الخير والكرامة.

وفي ذلك دليلٌ على أمورٍ:

منها: قبولهم له.

ومنها: رضاهم به.

ومنها: وصولهم إليه بلا مُمَانع ولا مُعَاوِق.

ومنها: أنَّ جزاءهم من جنس أعمالهم؛ فكما أخذوا ما أمرهم به في الدنيا، وقابَلُوه بالرِّضَا والتسليم وانشراحِ الصَّدْر = أخذوا ما آتاهم من الجزاء كذلك.

ثُمَّ ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك، وهو إحسانُهم المتضمِّنُ لعبادته وحده لا شريك له، والقيامِ بحقوقِه وحقوقِ عباده.

ثُمَّ ذكر لَيْلَهم، وأنَّهم قليلٌ هُجُوعُهم منه.

وقد قيل٢: إنَّ "ما" نافية، والمعنى: ما يهجعون قليلًا من الليل،

  1. (١) من قوله: "وتكذيبهم، ثُمَّ فُتِنُوا بعذاب. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ح).
  2. (٢) هذا هو القول الأول في تقدير الآية وإعرابها.
440

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي