طلوع الشمس، فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر، فيقومون نصف ذلك الوقت؛ فيكون زمنُ الهُجُوع أقلَّ من زمن الاستيقاظ.
وقيل١: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي في موضع رَفْعٍ بـ "قليل"٢، أي: كانوا قليلًا هُجُوعُهم. وهو قولٌ حَسَنٌ٣.
وقيل٤: إنَّ "ما" موصولةٌ بمعنى "الذي"، والعائد محذوفٌ، أي: قليلٌ من الليل الوقت الذي يهجعونه. وفيه تكلُّفٌ.
وقيل٥: "ما يهجعون" بَدَل اشتمال من اسم "كان"، والتقدير: كان هجوعهم من الليل قليلًا.
ويَرِدُ عليه أنَّ "مِنَ الليل" متعلِّقٌ بـ "يهجعون"، ومعمول المصدر لا يتقدَّمُ عليه.
وأجيب عنه: أنَّه منصوبٌ على التفسير، ومعناه أن يُقَدَّرَ له فعلٌ محذوفٌ ينصبُه، يُفَسِّرُهُ هذا المذكور.
(١) هذا هو القول الثالث في تقدير الآية وإعرابها.
(٢) تصحفت في (ن) و(ك) إلى: تعليل.
(٣) في (ح) و(م): "قول الحسن". ويصح؛ لأنه مروي عنه ﵀. وما أثبته من باقي النسخ؛ وهو أَلْيَق، فيكون اختيارًا لابن القيم ﵀. وهو - أيضًا - اختيار: الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٥٥)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (١٤/ ١٣) ونسبه إلى جمهور النحويين، وأبي حيَّان في "البحر المحيط" (٨/ ١٣٥) وقال: "وهو إعرابٌ سهلٌ حسنٌ".
(٤) هذا هو القول الرابع في تقدير الآية وإعرابها.
(٥) هذا هو القول الخامس في تقدير الآية وإعرابها.
وقيل١: " قليلًا" خبر "كان"، وتَمَّ الكلامُ بذلك، والمعنى: كانوا صِنْفًا أو جِنْسًا قليلًا، ثُمَّ قال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ١٧﴾٢.
وأصحاب هذا القول يجعلون "ما" نافيةً، فيعود الكلام إلى نَفْي هجوعهم شيئًا من الليل، وقد تقدَّم ما فيه٣.
ثُمَّ أخبر عنهم بأنَّهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السَّحَر، فخَتَمُوا صلاتهم بالاستغفار والتوبة، فباتوا لربِّهم سُجَّدًا وقيامًا، ثُمَّ تابوا إليه واستغفروه عقيب ذلك.
وكان النبيُّ ﷺ إذا سلَّم من صلاته استغفر ثلاثًا٤. وأمره الله - سبحانه - أن يختم عمره بالاستغفار٥. وأمر عباده أن يختموا إفاضتهم
(١) هذا هو القول السادس في تقدير الآية وإعرابها.
(٢) قال أبو بكر الأنباري في كتابه "الوقف والابتداء" (٢/ ٩٠٦): "وهذا فاسدٌ؛ لأنَّ الآية إنَّما تدلُّ على قلَّة نومهم لا على قلَّة عددهم. وبعدُ فلو ابتَدأنا "من الليل ما يهجعون" على معنى: من الليل يهجعون؛ لم يكن في هذا مدحٌ لهم؛ لأنَّ النَّاس كلهم يهجعون من الليل، إلا أن نجعل "ما" جَحْدًا". أي يكون المعنى أنَّهم لا ينامون الليل أصلًا، بل يقضونه في العبادة والذكر، فالمنفي - حينئذٍ - قلَّة النَّوم. وهذا هو الذي رده ابن القيم - قبل قليل - من تسعة أوجه. وانظر لما سبق: "القطع والائتناف" للنحَّاس (٦٨١)، و"البيان" لابن الأنباري (٢/ ٣٨٩)، و"الجامع" (١٧/ ٣٥)، و"الدر المصون" (١٠/ ٤٥).
(٣) راجع (ص/ ٤٤١ - ٤٤٣).
(٤) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٥٩١)، من حديث ثوبان ﵁.