التبيان

من عرفات بالاستغفار١. وشَرَعَ ﷺ للمتوضِّئ أن يختم وضوءَهُ بالتوبة٢. فأحسنُ ما خُتِمَتْ به الأعمالُ: التوبةُ والاستغفارُ.

ثُمَّ أخبر - سبحانه - عن إحسانهم إلى الخَلْق مع إخلاصهمِ لربِّهم، فَجَمَع لهم بين الإخلاص والإحسان، ضِدُّ حال ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ٦ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٧﴾ [الماعون: ٦، ٧].

وأكَّدَ إخلاصَهم في هذا الإحسان بأنَّ مَصْرِفَهُ ﴿لِلسَّائِلِ٣ وَالْمَحْرُومِ ١٩﴾، الذي لا يُقْصَدُ بعطائه الجزاءُ منه ولا الشكورُ. و"المحروم": المتعفِّفُ الذي لا يسأل.

وتأمَّلْ حكمة الرَّبِّ - تعالى - في كونه حَرَمَهُ بقضائه، وشَرَعَ لأصحاب الجِدَةِ إعطاءَهُ، وهو - سبحانه - أغنى الأغنياء، وأجود الأجودين. فلم يجمع عليه بين الحِرْمَان بالقَدَر وبالشرع، بل٤ شرع عَطَاءَهُ بأمره، وحَرَمَهُ بِقَدَرِهِ، فلم يجمع عليه حِرْمَانَين.

فصل

ثُمَّ ذكَّرَهُم - سبحانه - بآياته الأُفُقِيَّة والنَّفْسِيَّة، فقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ٢٠ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ٢١﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١].

  1. (١) قال سبحانه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ١٩٨ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٩٩﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩].
  2. (٢) سبق تخريجه (ص/ ٣٣٤).
  3. (٣) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): إلى السائل.
  4. (٤) ساقط من (ح) و(م).
446

فآياتُ الأرض أنواعٌ كثيرةٌ:

منها خَلْقُها، وحُدُوثها بعد عَدَمِها، وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تُجْحَد، فإنَّها شواهدُ قائمةٌ بها.

ومنها بُرُوز هذا الجانب منها عن الماء، مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون مغمورًا به.

ومنها سَعَتُها، وكِبَرُ خَلْقِها.

ومنها تَسْطِيحُها، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠﴾ [الغاشية: ٢٠]، ولا ينافي ذلك كونها كُرَةً. فهي كُرَةٌ في الحقيقة، لها سَطْحٌ يستقرُّ عليه الحيوان.

ومنها أنَّه جعلها فراشًا لتكون مَقَرًّا للحيوان ومساكنه، وجعلها قرارًا.

وجعلها مهادًا، وجَعَلَها ذَلُولًا تُوطَأُ بالأقدام، وتُضْرَبُ بالمَعَاوِل والفُؤوس، وتَحْمِلُ على ظهرها الأبنيةَ الثِّقَالَ. فهي ذَلُولٌ مُسَخَّرَةٌ لما يريد العبدُ منها.

وجعلها بِسَاطًا، وجعلها كِفَاتًا للأحياء تَضُمُّهم على ظهرها، وللأمواتِ تضمُّهم في بَطْنها.

وطَحَاها؛ فَمَدَّها، وبَسَطَها، وَوَسَّعَها، ودَحَاها، فهيَّأَها لما يُرَادُ منها بأن أخرج منها ماءها ومَرْعَاها، وشقَّ فيها الأنهار، وجعل فيها السُّبُلَ والفِجَاجَ.

ونَبَّهَ بِجَعْلِها مِهَادًا وفِرَاشًا على حكمةِ جعلها ساكنةً، وذلك آيةٌ

447

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي