التبيان

فصل

ومن ذلك: "الأُذُنَان". شَقَّهُما ﵎ في جانبي الوجه، وأَوْدَعَهما من الرطوبة ما يكون مُعينًا على إدراك السَّمعِ، وأَوْدَعَهما القوَّةَ السَّامعة، وأحاط على هذه القوَّةِ صَدَفَةً مستديرةً مجوَّفةً تَحْتَوِشُ الصوتَ وتجمعه، وتؤدِّيه إلى "الصِّمَاخ" فيؤدِّيه إلى القوَّة السَّامعة.

وجعل - سبحانه - في هذه الصَّدَفَةِ انحرافاتٍ واعوِجَاجَاتٍ، لتطول المسافة قليلًا، فلا يصل الهواء إلى داخل "الأُذُن" إلَّا بعد انكسار حِدَّته، فلا يصدمها وَهْلَةً واحدةً فيؤذيها.

وأيضًا؛ فَلِئلَّا يَفْجَأَها الداخلُ إليها من الدبيب والحشرات، بل إذا دخل إلى عَوْجَةٍ١ من تلك الانعطافات وقَفَ هناك، فسهُلَ إخراجه.

وأيضًا؛ فتُمسك ما يصل إليها من الغبار والوسخ، فيَنْحجِبُ هناك عن الوصول، فيسهُلُ إخراجه.

وكانت "العَينَان" في وسط الوجه و"الأُذُنَان" في جانبيه؛ لأنَّ "العَينيَن" مَحَلُّ المَلَاحة والزِّينة والجَمَال، وهما بمنزلة النُّور الذي يمشي به بين يدي الإنسان.

و[أمَّا]٢ "الأُذُنَان"٣ فكان جَعْلُهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان، وأمامه، وعن يمينه، وعن شماله = سواءً، فتأتي

  1. (١) تصحفت في (ز) و(ك) و(ط) إلى: عَرْجَة.
  2. (٢) زيادة لاتساق الكلام.
  3. (٣) من (ك)، وفي باقي النسخ بدلًا عنها: أيضًا.
461

المسموعات إليهما على نسبةٍ واحدةٍ.

وخُلقت "العَينَان" بغِطَاءٍ، و"الأُذُنان" بغير غطاءٍ. وهذا في غاية الحكمة؛ إذ لو كان للأذنين غطاءٌ لَمَنع الغطاء إدراك الصوت، فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء، والصوتُ عَرَضٌ لا ثبات له، فكان يزول قبل كشْفِ الغطاء، بخلاف ما تراه "العين"، فإنَّه أجسامٌ وأعراضٌ ثابِتةٌ؛ فلا تزول فيما بين كشف الغطاء وفتح "العين".

وجعل - سبحانه - "الأذُن" عضوًا غُضْرُوفيًّا ليس بلحمٍ مُسْتَرْخٍ، ولا عَظْمٍ صُلْبٍ، بل هي بين الصَّلَابة واللِّين، فتُقْبِلُ بِلِينها، وتُحفظ بصلابتها، ولا تنصدع انصداع العظام، ولا تتأثَّرُ بالحرِّ وَالبرد والشمسِ والسَّمُومِ تأثر اللَّحْمِ؛ إذ المصلحة في بُرُوزِها دائمًا لتتلقَّى ما يَرِدُ عليها من الأصوات والأخبار.

فصل

ومن ذلك: "الأَنْفُ"؛ نَصَبَهُ اللَّهُ ﷾ في وَسْط الوجه قائمًا معتدلًا، في أحسن شَكْلٍ وأَوْفَقِهِ١ للمنفعة، وأَوْدَعَهُ حاسَّةَ الشَّمِّ، التي يُدْرِكُ بها الأَرَايح وأنواعها، وكيفياتها، ومنافعَها، ومضارَّها. ويستدلُّ بها على مَضَارِّ الأغذية والأدوية ومنافعِها.

وأيضًا؛ فإنَّه يستنشِقُ بـ "المِنْخَرَين" الهواءَ الباردَ الرَّطْبَ، فيؤدِّيه إلى "القلب"، فيتروَّحُ به، فيستغني بذلك عن فتح "الفَمِ" أبدًا.

وجعل تجويفه بقَدْر الحاجة، فلم يوسِّعْهُ عن ذلك، فيَدْخُلَه هواءٌ

  1. (١) في (ك): وأَوْقَفَه، وفي (م): وأوقعه.
462

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي