التبيان

المسموعات إليهما على نسبةٍ واحدةٍ.

وخُلقت "العَينَان" بغِطَاءٍ، و"الأُذُنان" بغير غطاءٍ. وهذا في غاية الحكمة؛ إذ لو كان للأذنين غطاءٌ لَمَنع الغطاء إدراك الصوت، فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء، والصوتُ عَرَضٌ لا ثبات له، فكان يزول قبل كشْفِ الغطاء، بخلاف ما تراه "العين"، فإنَّه أجسامٌ وأعراضٌ ثابِتةٌ؛ فلا تزول فيما بين كشف الغطاء وفتح "العين".

وجعل - سبحانه - "الأذُن" عضوًا غُضْرُوفيًّا ليس بلحمٍ مُسْتَرْخٍ، ولا عَظْمٍ صُلْبٍ، بل هي بين الصَّلَابة واللِّين، فتُقْبِلُ بِلِينها، وتُحفظ بصلابتها، ولا تنصدع انصداع العظام، ولا تتأثَّرُ بالحرِّ وَالبرد والشمسِ والسَّمُومِ تأثر اللَّحْمِ؛ إذ المصلحة في بُرُوزِها دائمًا لتتلقَّى ما يَرِدُ عليها من الأصوات والأخبار.

فصل

ومن ذلك: "الأَنْفُ"؛ نَصَبَهُ اللَّهُ ﷾ في وَسْط الوجه قائمًا معتدلًا، في أحسن شَكْلٍ وأَوْفَقِهِ١ للمنفعة، وأَوْدَعَهُ حاسَّةَ الشَّمِّ، التي يُدْرِكُ بها الأَرَايح وأنواعها، وكيفياتها، ومنافعَها، ومضارَّها. ويستدلُّ بها على مَضَارِّ الأغذية والأدوية ومنافعِها.

وأيضًا؛ فإنَّه يستنشِقُ بـ "المِنْخَرَين" الهواءَ الباردَ الرَّطْبَ، فيؤدِّيه إلى "القلب"، فيتروَّحُ به، فيستغني بذلك عن فتح "الفَمِ" أبدًا.

وجعل تجويفه بقَدْر الحاجة، فلم يوسِّعْهُ عن ذلك، فيَدْخُلَه هواءٌ

  1. (١) في (ك): وأَوْقَفَه، وفي (م): وأوقعه.
462

كثيرٌ، ولم يضيِّقهُ فلا يَدْخُلَه من الهواء ما يكفيه.

وجعل ذلك التجويفَ مستطيلًا؛ لينحصر فيه الهواء، وينكسر فيه١ بَرْدُه وحِدَّته قبل أن يصل إلى "الدِّمَاغ"، فلولا ذلك لَصَدَمه بِحِدَّتِه وقوَّتِه.

والهواء الذي يَسْتَنْشِقُه "الأنفُ" ينقسم شَطْرين: شطرًا يصعد إلى "الدِّمَاغ"، وشطرًا ينزل إلى "الرئة".

وهو٢ من آلات النُّطْق، فإنَّ له إعانةً على تقطيع الحروف.

وكما أنَّ تجويفَهُ جُعِلَ لاستنشاق الهواء، فإنَّه جُعل مَصَبًّا لفَضَلات "الدِّمَاغ"، تنحَدِرُ منه في تلك القَصَبَة، فتخرج، فيستريح "الدِّمَاغ".

ولذلك جَعَلَ عليها٣ سِتْرًا ولم يجعلها بارِزةً فتستَقْبِحَها العيونُ.

وجُعل فيه تجويفَانِ، فإنَّه قد يَنْسَدُّ أحدُهما أو تَعْرِضُ له آفةٌ تمنَعُه من الإدراكِ والاستنشاقِ، فيبقى التجويف الثاني نائبًا عنه، يعمل عمله، كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في "العَينيَن" و"الأُذُنين".

ثُمَّ تأمَّلْ الهواءَ الذي يستنشِقُه "الأنفُ"؛ كيف يدخل أوَّلًا من "المِنْخَرَين"، وينكسر بَرْدُه هناك، ثُمَّ يصل إلى "الحَلْق"، فيعتدل مِزَاجُه هناك، ثُمَّ يصل إلى "الرئة" أَلْطَفَ ما يكون، ثُمَّ تبعثُه "الرئةُ" إلى "القلب"، فيروِّحُ عن الحرارة الغَرِيزيَّة التي فيه، ثُمَّ يَنْفُذُ من "القلب" إلى

  1. (١) ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) بعده في جميع النسخ زيادة: أكثر، ولا مكان لها.
  3. (٣) ساقط من (ز)
463

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي