التبيان

كثيرٌ، ولم يضيِّقهُ فلا يَدْخُلَه من الهواء ما يكفيه.

وجعل ذلك التجويفَ مستطيلًا؛ لينحصر فيه الهواء، وينكسر فيه١ بَرْدُه وحِدَّته قبل أن يصل إلى "الدِّمَاغ"، فلولا ذلك لَصَدَمه بِحِدَّتِه وقوَّتِه.

والهواء الذي يَسْتَنْشِقُه "الأنفُ" ينقسم شَطْرين: شطرًا يصعد إلى "الدِّمَاغ"، وشطرًا ينزل إلى "الرئة".

وهو٢ من آلات النُّطْق، فإنَّ له إعانةً على تقطيع الحروف.

وكما أنَّ تجويفَهُ جُعِلَ لاستنشاق الهواء، فإنَّه جُعل مَصَبًّا لفَضَلات "الدِّمَاغ"، تنحَدِرُ منه في تلك القَصَبَة، فتخرج، فيستريح "الدِّمَاغ".

ولذلك جَعَلَ عليها٣ سِتْرًا ولم يجعلها بارِزةً فتستَقْبِحَها العيونُ.

وجُعل فيه تجويفَانِ، فإنَّه قد يَنْسَدُّ أحدُهما أو تَعْرِضُ له آفةٌ تمنَعُه من الإدراكِ والاستنشاقِ، فيبقى التجويف الثاني نائبًا عنه، يعمل عمله، كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في "العَينيَن" و"الأُذُنين".

ثُمَّ تأمَّلْ الهواءَ الذي يستنشِقُه "الأنفُ"؛ كيف يدخل أوَّلًا من "المِنْخَرَين"، وينكسر بَرْدُه هناك، ثُمَّ يصل إلى "الحَلْق"، فيعتدل مِزَاجُه هناك، ثُمَّ يصل إلى "الرئة" أَلْطَفَ ما يكون، ثُمَّ تبعثُه "الرئةُ" إلى "القلب"، فيروِّحُ عن الحرارة الغَرِيزيَّة التي فيه، ثُمَّ يَنْفُذُ من "القلب" إلى

  1. (١) ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) بعده في جميع النسخ زيادة: أكثر، ولا مكان لها.
  3. (٣) ساقط من (ز)
463

العُرُوق المتحرِّكة، ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن، ثُمَّ إذا سَخُنَ في الباطن وخَرَجَ عن حَدِّ الانتفاع به؛ عَادَ عن تلك الأقاصي إلى البدن، ثُمَّ إلى "الرئة"، ثُمَّ إلى "الحُلْقوم"، ثُمَّ إلى "المِنْخَرَين" خارجًا، فيخرج منهما، ويعود عِوَضه هواءً باردًا نافعًا.

والنَّفَسُ الواحدُ من أنفاسِ العبد إنَّما يتمُّ بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال. وهو في اليوم والليلة: أربعةٌ وعشرون ألفَ نَفَسٍ، لله في كلِّ نَفَسٍ عِدَّةُ نِعَمٍ، قد وقَفْتَ على القليل منها، فما ظنُّكَ بما وراء النَّفَسِ من الأعضاء، والقوى، ومنافِعها، وتمامِ النعمة بها؟

فصل

وأمَّا "الفَمُ" فمَحَلُّ العجائب، وباب الطعام والشَّراب والنَّفَس والكلام، ومسْكَنُ اللِّسان النَّاطقِ الذي هو١ آلةُ العلوم، وتَرْجَمَانُ "القلب" ورسولُه المؤدِّي عنه.

ولمَّا كان "القلبُ" مَلِكَ البَدَن، ومَعْدِنًا للحرارة الغريزيَّةِ، فإذا دخل الهواءُ الباردُ وَصَلَ إليه، فاعتدَلَتْ حرارتُه، وبَقيَ هنالك ساعةً، فسَخُنَ واحتَرَقَ، فاحتاج "القلبُ" إلى دَفْعِه وإخراجه؛ فجعل أحكمُ الحاكمين إخراجَهُ سببًا لحدوث الصوت.

ثُمَّ جَعَلَ٢ في "الحَنْجَرَة"، و"الحَنَك"، و"اللِّسَان"، و"الشَّفَتين"، و"الأسنان" مقاطِعَ٣ ومخارِجَ مختلفةً، بسبب اختلافها

  1. (١) ساقط من (ز) و(ك).
  2. (٢) في جميع النسخ: فعل، وهو تصحيف.
  3. (٣) في (ز) و(ك): مقاطيع.
464

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي