وأَوْدَعَ "اللِّسانَ" من المنافع: منفعةَ الكلام - وهي أعظمها -، ومنفعةَ الذَّوْق والإدراك. وجعله دليلًا على اعتدال مزاج "القلب" وانحرافه، كما جعله دليلًا على استقامته واعوِجَاجه. فتَرَى الطبيبَ يستدلُّ بما يبدو للبصر١ على "اللِّسان" من الخشونة، والمَلَاسَة، والبياضِ، والحُمْرةِ، والتشققِ وغيره؛ على حال "القلب" والمَزَاج.
وهو دليلٌ قويٌّ على أحوال "المعدة" و"الأمعاء"، كما يستدلُّ السامعُ بما يبدو عليه من الكلام على ما في "القلب"، فيبدو عليه صحة "القلب"٢ وفساده معنىً وصورةً.
فصل
وجعل - سبحانه - "اللِّسانَ" عُضْوًا لحميًّا، لا عَظْمَ فيه ولا عَصَب؛ لتسهُلَ حركته.
ولهذا لا تجد في الأعضاء مَنْ لا يكْتَرِثُ بكثرة الحركة سواه، فإنَّ٣ أيَّ عُضْوٍ من الأعضاء [إذا]٤ حَرَّكْتَهُ كما تحرِّكُ "اللِّسان" لم يُطِعْكَ لذلك، ولم يلْبَثْ أنْ يَكِلَّ ويَخْلُدَ إلى السُّكُون، إلا "اللِّسان".
وأيضًا؛ فإنَّه من أعدل الأعضاء وألْطَفِها، وهو في
(١) تصحفت في (ز) و(ك) إلى: الصبر!
(٢) ساقط من (ز).
(٣) ساقط من (ز) و(ك)، وفي (ح) و(م): فإنه.
(٤) زيادة يقتضيها الكلام.
الأعضاء١ بمنزلة رسول المَلِكِ ونائبه، فمِزَاجُه من أعدل أمزِجَة البدن. ويحتاج إلى قَبْضٍ وبَسْطٍ، وحركةٍ٢ في أقاصي "الفم" وجوانبه، فلو كان فيه عَظْمٌ٣ لم يتهيَّأ منه ذلك، ولم يتهيَّأ منه الكلامُ التامُّ، ولا الذَّوقُ التامُّ. فكونه لحمًا اقتضَاهُ السبب الفاعِليُّ والغائيُّ٤. والله أعلم.
فصل
وجعل - سبحانه - على "اللِّسان" غَلَقَين:
أحدهما: "الأسنان".
والثاني: "الفَم".
وجعل حركته اختياريَّةً.
وجعل٥ على "العين" غطاءً واحدًا، ولم يجعل على "الأُذُن" غطاءً؛ وذلك لخطر "اللِّسَان" وشَرَفه، وخطر حركاته، وكونه في "الفَمِ" بمنزلة "القلب" في الصَّدْر.
وفي ذلك من اللَّطَائف: أنَّ آفةَ الكلام أكثرُ من آفة النَّظَر، وآفةَ النَّظَر أكثرُ من آفة السَّمع. فجعل للأكثر آفاتٍ طبقتين، وللمتوسِّط طبقًا، وجعل الأقلَّ آفةً بلا طبق.