الأعضاء١ بمنزلة رسول المَلِكِ ونائبه، فمِزَاجُه من أعدل أمزِجَة البدن. ويحتاج إلى قَبْضٍ وبَسْطٍ، وحركةٍ٢ في أقاصي "الفم" وجوانبه، فلو كان فيه عَظْمٌ٣ لم يتهيَّأ منه ذلك، ولم يتهيَّأ منه الكلامُ التامُّ، ولا الذَّوقُ التامُّ. فكونه لحمًا اقتضَاهُ السبب الفاعِليُّ والغائيُّ٤. والله أعلم.
فصل
وجعل - سبحانه - على "اللِّسان" غَلَقَين:
أحدهما: "الأسنان".
والثاني: "الفَم".
وجعل حركته اختياريَّةً.
وجعل٥ على "العين" غطاءً واحدًا، ولم يجعل على "الأُذُن" غطاءً؛ وذلك لخطر "اللِّسَان" وشَرَفه، وخطر حركاته، وكونه في "الفَمِ" بمنزلة "القلب" في الصَّدْر.
وفي ذلك من اللَّطَائف: أنَّ آفةَ الكلام أكثرُ من آفة النَّظَر، وآفةَ النَّظَر أكثرُ من آفة السَّمع. فجعل للأكثر آفاتٍ طبقتين، وللمتوسِّط طبقًا، وجعل الأقلَّ آفةً بلا طبق.
(١) "في الأعضاء" ساقط من (ز).
(٢) في (ز) و(ك): وحركته.
(٣) في (ح) و(م): عظام، وسقط من (ك).
(٤) في (ز) و(ك) و(ط): والمعاني! وهو تصحيف.
(٥) "جعل" ملحق بهامش (ك).
فصل
وجعل - سبحانه - "الفَمَ" أكثرَ الأعضاء رُطُوبةً، والرِّيقُ١ يتحلَّلُ إليه دائمًا لا يُفَارِقُه.
وجعله حُلْوًا لا مالحًا كماء "العين"، ولا مُرًّا كالذي في "الأُذُن"، ولا عَفِنًا٢ كالذي في "الأنف"، بل هو أعذَبُ مياه البدن وأحلاها، حكمةٌ بالغةٌ؛ فإنَّ الطعام والشراب يخالطه، بل هو الذي يُحِيلُ الطعامَ، ويمتزجُ به امتزاجَ العجين بالماء، فلولا أنَّه حُلْو لما الْتَذَّ الإنسانُ - بل ولا الحيوان - بطعامٍ ولا شرابٍ، ولا سَاغَهُ إلا على كُرْهٍ وتنغيصٍ.
ولمَّا كان كثيرٌ من الطعام لا يمكن جَبْذُهُ٣ إلا بعد طَحْنِهِ٤؛ جعل الرَّبُّ - تعالى - له آلةً للتقطيع والتفصيل، وآلةً للطَّحْن. فجعل آلةَ القَطْع - وهي "الثَّنَايا" وما يليها - حادَّةَ الرؤوس ليسهُلَ بها القَطْع. وجعل "النَّوَاجِذَ" وما يليها من "الأَضْرَاس" مُسَطَّحَةَ الرؤوس٥، عريضةً، ليتأتَّى بها الطَّحْنُ. ونَظَمَها أحسنَ نظام كاللؤلؤ المنظُومِ في سلْكٍ، وجعلها من الجانب الأعلى والأسفل؛ ليتأتَّى بها القطع والطَّحْن. وجعلها من الجانب الأيمن والأيسر، إذ ربَّما كَلَّتْ إحدى الآلتين، أو
(١) تصحفت في (ز) إلى: الدقيق!
(٢) كذا في النسخ! وجاء في هامش (ك): عُنُفًا، وهو محتمل، فإن "العُنُف": الغِلَظُ والصَّلَابة. "تاج العروس" (٢٤/ ١٩٠).
(٣) في (ز): حبله، وفي باقي النسخ: جبله! ولعل الصواب ما أثبته. و"جَبَذَ" كـ: جَذَبَ؛ وزنًا ومعنىً.
(٤) في (ح) و(م): طبخه، وزيدت في (ك) و(ط)، ولا مناسبة لها هنا.
(٥) من قوله: "ليسهل بها القطع. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).