التبيان

تعطَّلَت، أو عَرَضَ لها عارضٌ، فيُنْتَقَلُ إلى الآلة الأخرى. وأيضًا لو كان العمل على جانبٍ واحدٍ دائمًا لأَوْشَكَ أن يتعطَّلَ أو يَضْعُفَ.

وتأمَّلْ كيف أَنْبَتَها - سبحانه - من نفس اللَّحم، وتخرج من خلاله نابتةً كما ينبت الزرع في الأرض، ولم يَكْسُها - سبحانه - لحمًا كما كَسَا سائر العظام سواها، إذ لو كَسَاها اللَّحمَ لتعطَّلَت المنفعة المقصودة بها.

ولَمَّا كانت العظامُ محتاجةً إلى لحمٍ يكسوها ويحفظها، ويتلقَّى١ عنها الحَرَّ والبردَ، ويحفَظَ عليها رطوبتها = لم تكمل مصلحة الحيوان إلا بهذه الكسوة. ولمَّا كانت عظامُ "الأسنان" محتاجةً٢ إلى ذلك من وجهٍ، مستغنيةً عنه من وجهٍ = جَعَلَ كسوتها منفصلةً عنها، وجُعِلَتْ هي المُكْتَسية العارية؛ لتمام المنفعة بذلك.

ولمَّا كانت آلة القطع والكسر والطَّحْن لم٣ تنشأ مع الطِّفْل من أوَّل نشأته كسائر عظامه؛ لعدم حاجته إليها؛ فهو معطَّلٌ٤ عنها وقت استغنائه عنها بالرَّضَاع، وأُعطِيَها وقتَ الحاجه إليها.

وفيه حكمةٌ أخرى، وهي أنَّه لو نشأت معه من حين يُولد لأَضَرَّ ذلك بحَلَمَة الثَّدْي؛ إذ لا عقل له يحجُزُهُ عن عَضِّها، فكانت الأُمُّ تمتنع من رضاعه.

ومن عجيب أمرها الاتفاقُ والمُوَالَاةُ التي بينها وبين "المعدة"،

  1. (١) في (ط): وينتفي، وفي باقي النسخ: ويلتقي، وما أثبته هو الصحيح.
  2. (٢) ساقط من (ح) و(م).
  3. (٣) ساقط من (ز).
  4. (٤) في (ح) و(م): فعطِّل، بدل "فهو معطَّلٌ".
469

فإنَّه يُسَلَّمُ إليها الشيء اليابسُ والصُّلْبُ فتطْحَنه، ثُمَّ تُسَلِّمه إلى "اللِّسان" فيعجِنُه، ثُمَّ يسلِّمه إلى "الحَلْق" فيوصله إلى "المعدة" فتُنْضِجُه وتطبخه، ثُمَّ يُرسَلُ إليها منه معلومُها المقدَّرُ١ لها، فإذا عجَزت عن قَطْع شيءٍ وطحنه عجَزَت "المعدة" عن إنضاجه وطبخه، وإذا كَلَّتْ كَلَّتِ "المعدة"، وإذا ضَعُفَت ضَعُفَت.

وهي تصحب الإنسانَ وتخدمه ما لم يرها، فإذا وقعت عينُه عليها فارقته فُرْقَةَ الأبد.

وهي سلاحٌ، ومنشارٌ، وسكِّينٌ، ورَحىً، وزينةٌ، وفيها منافع ومصالح غير هذه.

فصل

ثُمَّ تأمَّلْ حال "الشَّعْر"، ومَنْبَته، وسببه، وغايته.

فإنَّ البدن لمَّا كان حارًّا رَطْبًا، والحرارةُ إذا عملت في الرُّطُوبة فلا بدَّ أنْ تُثير بُخَارًا، وتلك الأبْخِرَة تتصاعد من عمق البدن إلى سطحه، وتريد الانفصال من هناك، فلا بدَّ أنْ تُحدث مَسَامَّ ومنافذَ في ظاهر الجلد.

وتلك الأبْخِرَةُ:

١ - إمَّا أن تكون رَطْبةً لطيفةً، فحينئذٍ تنفصل من المَسَامِّ ولا تُحدث شيئًا.

  1. (١) في (ز): المقدور.
470

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي