التبيان

وأيضًا؛ فإنَّه أكشف لمحاسن الوجوه، فإنَّ "الشَّعْر" يستُرُ ما تحته من المحاسِن، فصَانَ الله محاسنَ١ وجوهِهِم عمَّا يسترها.

وأيضًا؛ ليكمل استمتاعهم بنسائهم؛ فإنَّ "الشَّعْر" يمنع ما تحته من البَشَرَةِ أن يَمَسَّ بَشَرَةَ المرأة. والله أعلم بحكمته في خلقه.

فصل

وأمَّا شَعْر "العَانَة" و"الإبط" و"الأنف"؛ فمنفعته تنقية البدن عن الفَضْلَة، ولهذا إذا أُزِيلَ من هذه المواضعِ وجَدَ البدنُ خِفَّةً ونشاطًا، وإذا وَفَرَ وتُرِكَ٢ وجد البدنُ٣ ثِقَلًا وكَسَلًا وغمًّا.

ولهذا جاءت الشريعة بحَلْق "العَانَة"، ونَتْفِ "الإبِط". وكان حَلْقُ "العَانَة" أولى من نَتْفِها لصَلَابة "الشَّعْر"، وتَأذِّي صاحبه بنتفه. وكان نَتْفُ "الإبِط" أولى من حَلْقه لضَعْف "الشَّعْر" هناك، وشدَّته وتَفَحُّلِهِ٤ بالحَلْق. فجاءت الشريعة بالأنفع في هذا وهذا.

فصل

وتأمَّلْ حكمة الرَّبِّ - تعالى - في كونه أخلَى "الكَفَّين" و"الجَبْهَة" و"الأَخْمَصَين"٥ من "الشَّعْر". فإنَّ "الكَفَّين" خُلِقا حاكمين على

  1. (١) ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) ساقط من (ح) و(م).
  3. (٣) ساقط من (ح) و(م).
  4. (٤) في (ح) و(م): وتعجله.
  5. (٥) "الأَخْمَصان": مثنَّى: الأَخْمَص، وهو ما جَفَا عن الأرض من باطن القَدَم، فلا =
476

الملموسات، فلو جُعِل "الشَّعْر" فيهما لأخَلَّ ذلك بالحكمة التي خُلِقا لها١.

وخُلِقا للقبض، وإلصاقُ اللَّحَم على المقبوض أعْوَنُ على جودته من التصاق "الشَّعْر" به.

وأيضًا؛ فإنَّهما آلة الأخذ، والعطاء، والأكل، ووجود "الشَّعْر" فيهما يُخِلُّ بتَمَامِ هذه المنفعة.

وأمَّا "الأَخْمَصَان" فلو نَبَتَ فيهما "الشَّعْر" لأضرَّ ذلك بالماشي، ولأَعَاقَهُ في المشي كثيرًا ممَّا كان يَعْلَقُ بشَعْره ممَّا على الأرض، ويتعلَّقُ شَعْرُه بما عليها أيضًا.

هذا مع أنَّ كثرةَ الأوتار والأغشية في "الكفَّين" مانعٌ من نفوذ الأَبْخِرَة فيها. وأمَّا في "الأخْمَصَين" فإنَّ الأَبْخِرَة تتصاعد إلى عُلُوٍّ، وكلَّما تصاعدت كان "الشَّعْر" فيه أكثر.

وأيضًا؛ فإنَّ في كثرة وَطْءِ الأرض بـ "الأَخْمَصَين" تصليبهما، ويجعل سطحهما أمْلَسَ لا ينبت شيئًا، كما أنَّ الأرض التي توطأ كثيرًا لا تنبت شيئًا.

وأمَّا "الجَبْهَة" فلو نبت "الشَّعْر" عليها لسَتَر محاسِنَها، وأظلم الوجه، وتدلَّى إلى "العَينَين"، فكان يحتاج إلى حَلْقه دائمًا، ومَنَعَ "العَينَين" من كمال الإدراك.

  1. = تصيبه الأرض إذا مشى الإنسان.
    انظر: "خلق الإنسان" لابن أبي ثابت (٣٢٣)، وللزجَّاج (١٠١).
  2. (١) العبارة في (ح) و(م) هكذا: فلو حصل "الشَّعْر" فيهما لأخلَّ بذلك.
477

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي