التبيان

بسبب نقصان الحرارة، ويكون بطيء الحركة مُدَّةَ نُفُوذه إلى المَسَامِّ.

وأصلحت طائفةٌ بين القولين، وقالوا: العِلَّةُ في الأمرين واحدةٌ، وسببهما نقصان الحرارة.

فإن قيل: فَلِمَ اختصَّ الشَّيْبُ بالإنسان من بين سائر الحيوان؟

قيل: لَحْمُ الإنسان وجِلْدُه رِخْوٌ لَيِّنٌ، وجلودُ الحيوانات ولحومُها أقوى وأَصْلَبُ، فلمَّا غَلُظَتَ مادَّةُ "الشَّعْر" فيها لم يعرض لها ما يعرض "لشَعْر" الإنسان. ولهذا يكون شَعْرها كلُّها معها من حين ولادتها، بخلاف الإنسان.

وأيضًا؛ فإنَّ الإنسان يستعمل المَطَاعِمَ المركَّبة المتنوِّعَة، وكذا المَشَارِبَ، ويتناول أكثرَ من حاجته، فتجتمع فيه فَضَلاتٌ كثيرةٌ، فتدفعها الطبيعة إلى ظاهر البدن، فما دامت الحرارة قوية فإنَّها تَقْوَى على إحراق تلك الفضلات، فيتولَّدُ من إحراقها: "الشَّعْر" الأسود. فإذا بلغ الشيخوخة ضعفت الحرارة، وعجزت عن إحراق تلك الفضلات، فتعمل فيها عملًا ضعيفًا.

وأمَّا سائر الحيوانات فلا١ تتناول الأغذية المركَّبة، وتتناول منها على قدر الحاجة، فلا يَشِيبُ شَعْرها كما يشيب شَعْر الإنسان.

وأيضًا؛ فإنَّ في زَمَن الشيخوخة يكون الإنسان٢ أقلَّ حرارةً، وأكثَر رطوبةً فيتولَّد الخِلْط، و[أمَّا]٣ الحيوانات فاليُبْسُ غالبٌ عليها.

  1. (١) ساقط من (ز).
  2. (٢) ساقط من (ح) و(م).
  3. (٣) زيادة تناسب السياق.
482

فإن قيل: فَلِمَ كان١ شَيْبُ "الأَصْدَاغ" في الأكثر مُتَقدِّمًا على غيره؟

قيل: لقُرْب هذا الموضع من مُقَدَّم "الدِّماغ"، والرُّطُوبة في مُقَدَّم "الدِّماغ" كثيرةٌ، لأنَّ الموضعَ مَفْصِلٌ، والمَفْصِلُ تجتمع فيه الفَضْلَةُ الكثيرةُ، فيكثر البَرْدُ هناك، فيسرع الشَّيْبُ.

فإن قيل: فَلِمَ أسرع الشَّيْبُ في شُعُور الخِصْيَان والنِّساء؟

قيل: أَمَّا النِّساءُ فَلِبَرْدِ مِزَاجِهِنَّ في الأصل، واجتماع الفضلات الكثيرة فيهنَّ. وأَمَّا الخِصْيَان فلِتَوَفُّر "المَنِيِّ" على أبدانهم يصير دَمُهُم غليظًا بَلْغَمِيًّا، ولهذا لا يحدث لهم الصَّلَع.

فإن قيل: فَلِمَ كان شَعْر "الإبِط" لا يَبْيَضُّ؟

قيل: لقوَّة حرارة هذا الموضع؛ بسبب قربه من "القلب"، ومَسَامُّه كثيرةٌ فلا يبقى فيه كثرةٌ بَلْغَمِيَّةٌ؛ لأنَّها٢ تتحلَّل بالعَرَق الدائم.

فإن قيل: فَلِمَ أَبْطَأ بياضُ شَعْر "العَانَة"؟

قيل: لأنَّ حركة الجماع تُحَلِّلُ "البَلْغَم" الذي في مَسَامِّه.

فإن قيل: فَلِمَ كانت الحيوانات تتبدَّلُ شُعُورُها كُلَّ سَنَةٍ، بخلاف الإنسان؟

قيل: لضعف شُعُورها عن الدوام والبقاء، بخلاف شَعْر الآدَمِيِّ.

  1. (١) بعدها في (ح) و(م) زيادة: سبب.
  2. (٢) بعدها في (ز) زيادة: لا! وهي تفسد المعنى.
483

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي