التبيان

شيءٍ وأحسنَهُ منظرًا، وأتمَّهُ خَلْقًا، وأبدَعَهُ صورةً.

فقال الرَّبُّ - تعالى - لجميع ملائكته: "اسجُدوا له"، فبادروا بالسجود؛ طاعةً لأمر الواحد المعبود، وتعظيمًا له. ثُمَّ قيل لهم: لَنَا في هذه القبضة من التراب سِرٌّ أبدَع ممَّا تَرَون، وجمالُ باطِنٍ أحسنُ ممَّا تُبصرون. فَلَنُزَيِّنَنَّ باطِنَهُ بأحسنَ من زينة ظاهره، ولنَجْعَلنَّهُ من أعظم آياتنا، نُعَلِّمُه أسماءَ كُلِّ شيءٍ ممَّا١ لم تحسنه الملائكة.

فكان التعليمُ زينةَ الباطن وجماله، وذلك التصويرُ زينة الظاهر، فجاءَ أكمَلَ شيءٍ وأجمَلَهُ صورةً ومعنىً، وذلك كلُّه صُنْعُه ﵎ في قبضةٍ من تراب.

ثُمَّ اشتقَّ منه صورةً هي مثله في الحُسْن والجمال، ليَسْكُن إليها، وتَقَرَّ نفسُه بها، وليُخْرِجَ من بينهما من لا يُحصَى عدَدُهُ من الرجال

  1. = خلق اللهُ آدمَ ونفَخَ فيه الرُّوح: عَطَسَ، فقال: الحمد للهِ، فحمِدَ الله بإذن الله، فقال له ربُّه: يرحمك ربُّك يا آدم … الحديث".
    أخرجه: الترمذي في "سننه" رقم (٣٣٦٨)، والنَّسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (٢١٨ - ٢٢٠)، وأَبو يعلى في "مسنده" رقم (٦٥٨٠)، وابن حبَّان في "صحيحه" رقم (٦١٦٧)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٦٤) و(٤/ ٢٦٣)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ١٤٧) وغيرهم.
    قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وعزاه ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/ ٢٠٢) إلى: البزار، وقال: "وهذا الإسناد لا بأس به، ولم يخرجوه".
    وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" رقم (٢٦٨٣)، وفي "المشكاة" رقم (٤٦٦٢).
  2. (١) في جميع النسخ: ما، وما أثبته أنسب للسياق.
490

والنِّساء سواه.

فصل

ثُمَّ١ لمَّا أراد الله - سبحانه - أن يَذْرَأَ نسلهما٢ في الأرض ويُكَثِّرَهُ؛ وضَعَ فيهما حرارة الشهوة ونار الشوق والطلب، وأَلْهَمَ كلًّا منهما اجتماعه بصاحبه، فاجتمعا على أمرٍ قد قُدِر. فاسمع الآن عجائب ما هنالك:

لمَّا شاء الرَّبُّ - تعالى - أن يُخرج نسخةَ هذا الإنسان منه؛ أودع جسده حرارةً، وسلَّطَ عليه هَيَجَانها، فصارت شهوةً غالبةً، فإذا هاجت حرارةُ الجسد تحلَّلت الرُّطُوبات من جميع أجزاء الجسد، وابتدأتْ نازِلَةً من خلف "الدِّمَاغ"، في عروقٍ خلف "الأُذُنين" إلى فَقَارِ "الظَّهْر"، ثُمَّ تخرج إلى "الكُلْيَتين"، ثُمَّ تُجمع٣ في أوعية "المَنِيِّ"، بعد أن طبختها نار الشهوة وعَقَدَتْها حتَّى صار لها قَوَامٌ وغِلَظٌ، وقصَرَتها حتَّى ابيضَّت، وقدَّر لها مجاريَ وطرقًا تنفذ فيها.

ثُمَّ اقتضت حكمته - سبحانه - أن قدَّر لخروجها٤ أقوى الأسباب المستفرِغة لها من خارجٍ ومن داخلٍ، فقيَّضَ لها صورةً حسَّنَها في عين الناظر، وشوَّقَهُ إليها، وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة والمحبة، فَحَنَّ كلٌّ منهما إلى امتزاجه بصاحبه، واختلاطه به، ليقضي

  1. (١) ساقط من (ز) و(ك) و(ط)، وأثبته من (ح) و(م).
  2. (٢) في (ز) و(ك): نسلها.
  3. (٣) في (ح) و(م): تجتمع.
  4. (٤) في جميع النسخ: بخروجها، وما أثبته أنسب للسياق.
491

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي