ثُمَّ١ لمَّا أراد الله - سبحانه - أن يَذْرَأَ نسلهما٢ في الأرض ويُكَثِّرَهُ؛ وضَعَ فيهما حرارة الشهوة ونار الشوق والطلب، وأَلْهَمَ كلًّا منهما اجتماعه بصاحبه، فاجتمعا على أمرٍ قد قُدِر. فاسمع الآن عجائب ما هنالك:
لمَّا شاء الرَّبُّ - تعالى - أن يُخرج نسخةَ هذا الإنسان منه؛ أودع جسده حرارةً، وسلَّطَ عليه هَيَجَانها، فصارت شهوةً غالبةً، فإذا هاجت حرارةُ الجسد تحلَّلت الرُّطُوبات من جميع أجزاء الجسد، وابتدأتْ نازِلَةً من خلف "الدِّمَاغ"، في عروقٍ خلف "الأُذُنين" إلى فَقَارِ "الظَّهْر"، ثُمَّ تخرج إلى "الكُلْيَتين"، ثُمَّ تُجمع٣ في أوعية "المَنِيِّ"، بعد أن طبختها نار الشهوة وعَقَدَتْها حتَّى صار لها قَوَامٌ وغِلَظٌ، وقصَرَتها حتَّى ابيضَّت، وقدَّر لها مجاريَ وطرقًا تنفذ فيها.
ثُمَّ اقتضت حكمته - سبحانه - أن قدَّر لخروجها٤ أقوى الأسباب المستفرِغة لها من خارجٍ ومن داخلٍ، فقيَّضَ لها صورةً حسَّنَها في عين الناظر، وشوَّقَهُ إليها، وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة والمحبة، فَحَنَّ كلٌّ منهما إلى امتزاجه بصاحبه، واختلاطه به، ليقضي
(١) ساقط من (ز) و(ك) و(ط)، وأثبته من (ح) و(م).
(٢) في (ز) و(ك): نسلها.
(٣) في (ح) و(م): تجتمع.
(٤) في جميع النسخ: بخروجها، وما أثبته أنسب للسياق.
الله أمرًا كان مفعولا. وجعل هذا مَحَلَّ الحَرْث، وهذا مَحَلَّ البَذْر، وقال القضاء والقدر: ليشتمل كلٌّ منكما على صاحبه؛ ليلتقي الماءان١ على أمر قد قُدِر.
وقَدَّر بينهما تلك الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرُّطُوبة والفَضْلة عملها، واستخرجَها٢ من تحت "الشَّعْر" و"البشَر" و"الظُّفُر"؛ لتوافق النسخةُ الأصلَ، ويكون الداعي إلى التناسل في غاية القوَّة، فلا ينقطع النَّسْل.
ولهذا لا تجد في مَنِيِّ الاحتلام من القوَّة ما في مَنِيِّ الجِماع، وإنَّما هو من فَضْلةِ حرارةٍ تذيب الرُّطُوبة، فتقذِفُها٣ الطبيعة إلى خارج، وذلك٤ من نوع تصوُّرِ خيالٍ بواسطة الشيطان، كما ثبت في "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان"٥.
فإن قيل: فهذا اختيارٌ منكم لقول من قال: إنَّ "المَنِيَّ" يخرج من جميع أجزاء البدن، وهذا وإن كان قد قاله كثيرٌ من النَّاس فقد خالفهم آخرون، وزعموا أنَّه فَضْلَةٌ تتولَّدُ من الطعام والشراب٦، وهي من أعدل الفَضَلات، ولهذا صَلُحَت أن تكون مبدأ الإنسان، وهو جسمٌ متشابه
(١) في (ز) و(ك): الماء، وما أثبته من (ح) و(م).
(٢) من (ك)، وفي باقي النسخ: واستخراجها.
(٣) في (ز) و(ك): فنفذت فيها، وما أثبته من (ح) و(م).
(٤) ساقط من (ح) و(م).
(٥) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٣٢٩٢) واللفظ له، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٢٦١)، من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁.