التبيان

الله أمرًا كان مفعولا. وجعل هذا مَحَلَّ الحَرْث، وهذا مَحَلَّ البَذْر، وقال القضاء والقدر: ليشتمل كلٌّ منكما على صاحبه؛ ليلتقي الماءان١ على أمر قد قُدِر.

وقَدَّر بينهما تلك الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرُّطُوبة والفَضْلة عملها، واستخرجَها٢ من تحت "الشَّعْر" و"البشَر" و"الظُّفُر"؛ لتوافق النسخةُ الأصلَ، ويكون الداعي إلى التناسل في غاية القوَّة، فلا ينقطع النَّسْل.

ولهذا لا تجد في مَنِيِّ الاحتلام من القوَّة ما في مَنِيِّ الجِماع، وإنَّما هو من فَضْلةِ حرارةٍ تذيب الرُّطُوبة، فتقذِفُها٣ الطبيعة إلى خارج، وذلك٤ من نوع تصوُّرِ خيالٍ بواسطة الشيطان، كما ثبت في "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان"٥.

فإن قيل: فهذا اختيارٌ منكم لقول من قال: إنَّ "المَنِيَّ" يخرج من جميع أجزاء البدن، وهذا وإن كان قد قاله كثيرٌ من النَّاس فقد خالفهم آخرون، وزعموا أنَّه فَضْلَةٌ تتولَّدُ من الطعام والشراب٦، وهي من أعدل الفَضَلات، ولهذا صَلُحَت أن تكون مبدأ الإنسان، وهو جسمٌ متشابه

  1. (١) في (ز) و(ك): الماء، وما أثبته من (ح) و(م).
  2. (٢) من (ك)، وفي باقي النسخ: واستخراجها.
  3. (٣) في (ز) و(ك): فنفذت فيها، وما أثبته من (ح) و(م).
  4. (٤) ساقط من (ح) و(م).
  5. (٥) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٣٢٩٢) واللفظ له، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٢٦١)، من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁.
  6. (٦) ساقط من (ح) و(م).
492

الأجزاء في نفسه؟

قيل: القول الأوَّل هو الصواب، ويدلُّ عليه وجوه:

منها عموم اللذَّة بجميع أجزاء البدن.

ومنها مشاكلة أعضاء المولود لأعضاء الوالدين.

ومنها المشابهة الكُلِّية؛ فدلَّ على أنَّ البدن كلَّه أرسل "المَنِيَّ"، ولولا ذلك لكانت المشابهة بحسب مَحَلٍّ واحدٍ. فدلَّ على أنَّ كلَّ عُضْوٍ قد أرسل١ قِسْطَهُ ونصيبه، فلمَّا انعقد وصَلُبَ ظهرت محاكاته ومشابهته له.

ومنها أنَّ الأمر لو كان كما زعمه أصحاب المقالة الثانية، من أنَّ "المَنِيَّ" جسمٌ واحدٌ متشابهٌ في نفسه لم يتولَّد منه الأعضاء المختلِفَة المتشكِّلة بالأشكال المختلفة؛ لأنَّ القوَّةَ الواحدةَ لا تفعل في المادَّةِ الواحدة إلا فعلًا واحدًا، فدلَّ على أنَّ المادَّةَ في نفسها ليست متشابهة الأجزاء.

ومنها أنَّ "المَنِيَّ" فَضْل الهَضْم الآخر، وذلك إنَّما يكون عند نضج٢ "الدَّم" في العُرُوق، وصيرورته مستعدًّا استعدادًا تامًّا لأن يصير من جوهر الأعضاء.

وكذلك يحصل عقيب استفراغه من الضَّعْف أكثر ممَّا يحصل من استفراغ أمثاله من "الدَّم"، ولذلك يورث الضَّعْف في جوهر

  1. (١) من قوله: "المَنِيَّ" ولولا ذلك. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ح).
  2. (٢) في (ح) و(م): فَضْخ.
493

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي