التبيان

الأجزاء في نفسه؟

قيل: القول الأوَّل هو الصواب، ويدلُّ عليه وجوه:

منها عموم اللذَّة بجميع أجزاء البدن.

ومنها مشاكلة أعضاء المولود لأعضاء الوالدين.

ومنها المشابهة الكُلِّية؛ فدلَّ على أنَّ البدن كلَّه أرسل "المَنِيَّ"، ولولا ذلك لكانت المشابهة بحسب مَحَلٍّ واحدٍ. فدلَّ على أنَّ كلَّ عُضْوٍ قد أرسل١ قِسْطَهُ ونصيبه، فلمَّا انعقد وصَلُبَ ظهرت محاكاته ومشابهته له.

ومنها أنَّ الأمر لو كان كما زعمه أصحاب المقالة الثانية، من أنَّ "المَنِيَّ" جسمٌ واحدٌ متشابهٌ في نفسه لم يتولَّد منه الأعضاء المختلِفَة المتشكِّلة بالأشكال المختلفة؛ لأنَّ القوَّةَ الواحدةَ لا تفعل في المادَّةِ الواحدة إلا فعلًا واحدًا، فدلَّ على أنَّ المادَّةَ في نفسها ليست متشابهة الأجزاء.

ومنها أنَّ "المَنِيَّ" فَضْل الهَضْم الآخر، وذلك إنَّما يكون عند نضج٢ "الدَّم" في العُرُوق، وصيرورته مستعدًّا استعدادًا تامًّا لأن يصير من جوهر الأعضاء.

وكذلك يحصل عقيب استفراغه من الضَّعْف أكثر ممَّا يحصل من استفراغ أمثاله من "الدَّم"، ولذلك يورث الضَّعْف في جوهر

  1. (١) من قوله: "المَنِيَّ" ولولا ذلك. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ح).
  2. (٢) في (ح) و(م): فَضْخ.
493

الأعضاء الأصليَّة. فدلَّ على أنَّه مركَّبٌ من أجزاء كُلٍّ منهما، قريبُ الاستعداد لأن يصير جزءًا من عضوٍ مخصوصٍ.

ولذلك سمَّاه اللهُ تعالى: "سُلَالَةً من ماءٍ"١، و"السُّلَالَة": فُعَالَة من السَّلِّ؛ وهو ما يُسَلُّ٢ من البدن، كـ: النُّخَالَة، والنُّجَارَة٣.

كما سمَّى أصلَهُ: "سُلَالَةً من طينٍ"٤؛ لأنَّه استلَّها من جميع الأرض، كما في "جامع الترمذي" عن النبيِّ ﷺ: "إنَّ اللهَ خلق آدمَ من قَبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض"٥.

قال أصحاب القول الآخر - وهم جمهور الأطبَّاء وغيرهم -: لو كان الأمر كما زعمتم، وأنَّ "المَنِيَّ" يُسْتَلُّ من جميع الأعضاء، لكان إذا حصل مَنِيُّ الذَّكَر ومَنِيُّ الأنثى في "الرَّحِم" تشكَّلَ المولود بشَكْلِهما معًا، ولَكَانَ الرجلُ لا يَلِدُ إِلَّا ذكورًا دائمًا؛ لأنَّ "المَنِيَّ" قد استُلَّ - عندكم - من جميع أجزائه، فإذا انعقد وَجَبَ أن يكون مثله.

وأيضًا؛ فإنَّ المرأة تضع من وَطْءِ الرَّجُل في "البطن" الواحد ذكرًا

  1. (١) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ٨﴾ [السجدة: ٨].
  2. (٢) في (ك) و(ط): يسيل.
  3. (٣) تصحفت في (ز) و(ك) إلى: التجارة! وفي (ح) و(م): كالبخار والبخارة!!
    "النُّخَالَة": ما يخرج من غربلة الدقيق بالمُنْخُل. و"النُّجَارَة": ما انْتَحَتَ عند النَّجْرِ.
    انظر: "مختار الصحاح" (٦٧٦)، و"القاموس" (٦١٧ و١٣٧١).
  4. (٤) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ١٢﴾ [المؤمنون: ١٢].
  5. (٥) سبق تخريجه (ص/ ٤٨٨).
494

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي