حُمْرٌ١، قال: "هل فيها من أَوْرَق؟ " قال: نعم، قال: "فأنَّى له ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نَزَعَهُ عِرْقٌ، قال: "وهذا عسى أن يكون نَزَعَهُ عِرْقٌ"٢.
قالوا: ولو كان في "المَنِيِّ" من كلِّ عُضْوٍ جُزْءٌ، فلا تخلو تلك الأجزاء: إمَّا أن تكون موضوعةً في "المَنِيِّ" وضعها الواجب، أو لا تكون كذلك؛ فإن كانت موضوعةً وضعها الواسط كان "المَنِيُّ" حيوانًا صغيرًا، وإن لم تكن كذلك استحالت المشابهة.
قالوا: وأيضًا؛ فـ "المَنِيُّ" إمَّا أن يكون مركَّبًا على تركيب هذه الأعضاء وترتيبها، أو لا يكون كذلك.
فالأوَّلُ باطلٌ قطعًا؛ لأنَّ "المَنِيَّ" رطوبةٌ سَيَّالَةٌ فلا تحفظ الوضع٣ والترتيب. وإن كانت ثقيلةً؛ فتعيَّنَ الثاني.
ولا بدَّ - قطعًا - أن يُحَالَ ذلك الترتيب والتصوير والتشكيل على سببٍ آخر سوى القوَّة التي في المادَّة، فإنَّها قوَّةٌ بسيطةٌ لا شعور لها ولا إدراك، ولا تهتدي لهذه التفاصيل التي في الصورة الإنسانية، بل هذا التصوير والتشكيل مَرْجِعُهُ إلى خالقٍ عظيمٍ عليمٍ حكيمٍ؛ قد بَهَرَتْ حكمتُه العقولَ، ودلَّت آثارُ صنعته على كمال أسمائه وصفاته وتوحيده.
(١) في جميع النسخ: سُود، والتصحيح من المصادر.
(٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٥٣٠٥، ٦٨٤٧، ٧٣١٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٥٠٠)، من حديث أبي هريرة ﵁. "أَوْرَق": بوزن: أَحْمَر؛ وهو الذي سواده ليس بحالك بل يميل إلى الغبرة. "الفتح" (٩/ ٣٥٢).
(٣) في (ح) و(م): الموضع.
وقد اعترف بذلك فاضِلا الأطبَّاءِ، وهما: "بُقْرَاط"١، و"أفلاطون"٢. فَأَقَرَّا بأنَّ ذلك مستنَدُهُ إلى حكمة الصانع وعنايته، وأنَّه لم يصدر إلَّا عن خالقٍ حكيمٍ عليمٍ قديرٍ، ذكره "جالينوس"٣ عنهما في كتاب "رأي أبقراط وأفلاطون"٤، فأَبَى جهلَةُ الأطبَّاءِ وزنادقةُ المتفَلْسِفةِ والطبائعيين إلا كفورًا.
(١) هو بُقراط بن إيراقلس، إمام الفلاسفة الصابئة، وسيد الطبائعيين في عصره، كان متألِّهًا ناسكًا، يعالج الناس حسبةً، سكن حمص من بلاد الشام، له تواليف في الطب كثيرة، عظيمة النفع، توفي سنة (٣٥٧) قبل الميلاد على الأرجح. انظر: "طبقات الأطباء والحكماء" لابن جُلْجُل (١٦)، و"تاريخ الحكماء" للقفطي (٩٠)، و"عيون الأنباء" لابن أبي أصيبعة (٤٣).
(٢) هو أفلاطون بن أرسطون، أحد أساطين الحكماء الصابئة اليونانيين، ذو نسبٍ رفيعٍ من بيت علمٍ، عالم بالهيئة وطبائع الأعداد، صنف كتبًا كثيرة في الحكمة ذهب فيها إلى حدِّ الرمز والإغلاق، وهو الذي وضع لأهل زمانه سننًا وحدودًا، وكان يعلِّم الطلبة وهو ماشٍ فسُمُّوا بـ "المشَّائين"، توفي سنة (٣٤٧) قبل الميلاد. انظر: "طبقات الأطباء والحكماء" (٢٣)، و"تاريخ الحكماء" (١٧)، و"عيون الأنباء" (٧٩).
(٣) هو الحكيم الفيلسوف الطبيعي اليوناني، إمام الأطباء في عصره، برع في الطب والفلسفة والعلوم الرياضية وهو ابن سبع عشرة سنة، ولم يسبقه أحدٌ إلى "علم التشريح"، وجدَّد علم "بقراط" وشرح كتبه وبَسَطها، توفي بصقلِّية سنة (٢٠٠ م). انظر: "طبقات الأطباء" (٤١)، و"تاريخ الحكماء" (١٢٢)، و"عيون الأنباء" (١٠٩).
(٤) رتَّبه في عشر مقالات، وغرضه فيه أن يبيِّن أنَّ أفلاطون في أكثر أقاويله موافق لبقراط، وأن أرسطوطاليس قد أخطأ فيما خالفهما فيه. انظر: "عيون الأنباء" (١٤٠).