التبيان

وقد اعترف بذلك فاضِلا الأطبَّاءِ، وهما: "بُقْرَاط"١، و"أفلاطون"٢. فَأَقَرَّا بأنَّ ذلك مستنَدُهُ إلى حكمة الصانع وعنايته، وأنَّه لم يصدر إلَّا عن خالقٍ حكيمٍ عليمٍ قديرٍ، ذكره "جالينوس"٣ عنهما في كتاب "رأي أبقراط وأفلاطون"٤، فأَبَى جهلَةُ الأطبَّاءِ وزنادقةُ المتفَلْسِفةِ والطبائعيين إلا كفورًا.

  1. (١) هو بُقراط بن إيراقلس، إمام الفلاسفة الصابئة، وسيد الطبائعيين في عصره، كان متألِّهًا ناسكًا، يعالج الناس حسبةً، سكن حمص من بلاد الشام، له تواليف في الطب كثيرة، عظيمة النفع، توفي سنة (٣٥٧) قبل الميلاد على الأرجح.
    انظر: "طبقات الأطباء والحكماء" لابن جُلْجُل (١٦)، و"تاريخ الحكماء" للقفطي (٩٠)، و"عيون الأنباء" لابن أبي أصيبعة (٤٣).
  2. (٢) هو أفلاطون بن أرسطون، أحد أساطين الحكماء الصابئة اليونانيين، ذو نسبٍ رفيعٍ من بيت علمٍ، عالم بالهيئة وطبائع الأعداد، صنف كتبًا كثيرة في الحكمة ذهب فيها إلى حدِّ الرمز والإغلاق، وهو الذي وضع لأهل زمانه سننًا وحدودًا، وكان يعلِّم الطلبة وهو ماشٍ فسُمُّوا بـ "المشَّائين"، توفي سنة (٣٤٧) قبل الميلاد.
    انظر: "طبقات الأطباء والحكماء" (٢٣)، و"تاريخ الحكماء" (١٧)، و"عيون الأنباء" (٧٩).
  3. (٣) هو الحكيم الفيلسوف الطبيعي اليوناني، إمام الأطباء في عصره، برع في الطب والفلسفة والعلوم الرياضية وهو ابن سبع عشرة سنة، ولم يسبقه أحدٌ إلى "علم التشريح"، وجدَّد علم "بقراط" وشرح كتبه وبَسَطها، توفي بصقلِّية سنة (٢٠٠ م).
    انظر: "طبقات الأطباء" (٤١)، و"تاريخ الحكماء" (١٢٢)، و"عيون الأنباء" (١٠٩).
  4. (٤) رتَّبه في عشر مقالات، وغرضه فيه أن يبيِّن أنَّ أفلاطون في أكثر أقاويله موافق لبقراط، وأن أرسطوطاليس قد أخطأ فيما خالفهما فيه.
    انظر: "عيون الأنباء" (١٤٠).
497

وقد ثبت في "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ من حديث حذيفة بن أَسِيد: "إنَّ اللهَ وكَّلَ بالرَّحِم مَلَكًا يقول: يا رَبِّ نُطْفَةٌ، يا رَبِّ عَلَقَةٌ، يا رَبِّ مُضْغَةٌ. فما الرزقُ؟ فما الأجلُ؟ فما العملُ؟ فيقضي الله ما شاء، ويكتب المَلَكُ"١، وفي لفظ: "يقول المَلَكُ الذي يَخلُقُها"٢ أي: يُصَوِّرُها٣ بإذن الله، أي: يُصوِّرُ خَلْقَهُ في "الأرحام" كيف يشاء الله، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

قال أصحاب القول الأوَّل: نحن أحقُّ بهذا التنزيه والتوحيد، ومعرفة حِكْمَةِ الخلَّاق العظيم وقدرته وعلمه، وأسعد به منكم.

ومن أَحَال من سفهائنا وزنادقتنا هذا التخليقَ على القوَّة المصوِّرة والأسباب الطبيعية، ولم يسندها إلى فاعلٍ مختارٍ عالمٍ بكلِّ شيءٍ، قادر على كلِّ شيءٍ، لا يكون شيءٌ إلا بإذنه ومشيئته، والقوَّةُ والطبيعة خَلْقٌ مُسَخَّرٌ من خلقه، وعبدٌ من جملة عبيده، ليس لها تصرُّفٌ، ولا حركةٌ،

  1. (١) أخرجه بهذا اللفظ: البخاري في "صحيحه" رقم (٣١٨، ٣٣٣٣، ٦٥٩٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٤٦)، من حديث أنس بن مالك ﵁.
    وأمَّا حديث حذيفة بن أَسِيد ﵁ فسيأتي عند المؤلف ذكر لفظه في (ص/ ٥١٧).
  2. (٢) هو عند مسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٤٥) من حديث حذيفة بن أَسِيد الغفاري ﵁، بلفظ:
    "إنَّ النُّطْفةَ تقع في الرَّحم أربعين ليلةً، ثم يَتَصوَّرُ عليها المَلَكُ"، قال زهير - هو ابن حَرْب أبو خيثمة، أحد رواة الحديث -: حَسِبْتُهُ قال: الذي يَخْلُقُها. . . إلخ.
    وفي لفظٍ: ". . . بعث الله مَلَكًا، فصوَّرها، وخَلَقَ سَمْعَها، وبَصَرها، وجِلْدَها، ولحْمَها، وعظامها،. . . إلخ".
  3. (٣) في (ح) و(م): يُصيِّرها.
498

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي