أشراط الساعة فَنَارٌ تحشُر النَّاسَ من المشرق إلى المغرب، وأمَّا أوَّلُ طعام يأكله أهل الجنَّة فزِيَادَةُ كَبدِ الحُوت، وأمَّا الشَّبَهُ في الولد فإنَّ الرَّجُل إذا غَشِيَ المرأةَ فَسَبَقَها ماؤُهُ كان الشَّبَهُ له، وإذا سَبَقَتْ كان الشَّبَهُ لها"، فقال: أشهد أَنَّكَ رسولُ الله.
فهذا جواب جبريل أمين ربِّ العالمين، لا "جبريل" الطبيب١.
وفي "صحيح مسلم"٢ من حديث ثوبان عن النبيِّ ﷺ: "إذا عَلَا ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المرأةِ أَذْكَرَا بإذن الله، وإذا عَلَا ماءُ المرأةِ ماءَ الرَّجُلِ آنَثَا بإذن الله".
وقد يَتَّفِقُ استواءُ٣ المائين في الإنزال والقَدْر وذلك من أندر الأشياء، فَيُخْلَقُ للولد ذَكَرٌ كَذَكَرِ الرَّجُل، وفرْجٌ كَفَرْجِ المرأة.
هذا٤؛ وإنْ شاء اللهُ أن يُغَلِّب سلالةَ ماء الرَّجُل على ماء المرأة، أو سُلالتها على سُلَالته؛ أمر مَلَكَ الأرحام٥ بتصويره كذلك. فإنَّ ذلك لا يُخِلُّ بحكمةٍ، ولا يخرق عادةً، ولو خَرَقَها لم يُخِلَّ بحكمةِ أحكم
(١) هو جبريل - ويقال: جبرائيل - بن بختيشوع بن جورجس النصراني، طبيب ماهر، ومُدَاوٍ بارعٌ، نَبغَ مبكرًا، وصار طبيبًا خاصًّا لجعفر بن يحيى البرمكي، ثم لهارون الرشيد، ولولديه الأمين والمأمون من بعده، وكان حظيًّا عندهم، توفي سنة (٢١٣ هـ). انظر: "طبقات الأطباء" (٦٤)، و"تاريخ الحكماء" (١٣٢)، و"عيون الأنباء" (١٨٧).
(٢) رقم (٣١٥)، وفيه قِصَّة سيذكرها المؤلف (ص/ ٥١٢).
(٣) ساقط من (ح) و(م)
(٤) ساقط من (ح) و(م).
(٥) ساقط من (ز).
الحاكمين.
وأمَّا منعكم عموم اللذَّة للبدن فشبيهٌ بالمكابرة، والمُجَامعُ يجد عند الإنزال شيئًا قد اسْتُلَّ من جميع بدنه وسمعه وبصره وقُواه، وأُفْرِغَ في قالَب "الرَّحِمِ"، فيُحِسُّ كأَنَّه قد خلع قميصًا كان مشتملًا به.
ولهذا اقتضت حكمة ربِّ العالمين في شرعه وقدره أنْ أَمَرَهُ بالاغتسال عقيب ذلك، لِيُخْلِف عليه الماءُ ما تحلَّل من بدنه المخلوق من ماءٍ، وإذا اغتسل وجد نشاطًا وقوَّةً، وكأَنَّه لم ينقص منه شيءٌ؛ فإنَّ رطوبة الماء تُخْلِفُ على البدن ما حلَّلَتْهُ تلك الحركة من رطوباته، وتعمل فيها الحرارة الأصليَّة١ عملها، فتَمُدُّ بها القوى التي ضعُفَت بالإنزال.
وأمَّا التشابه الواقع بين "الظُّفُر" و"الشَّعْر" في الوالد والمولود، ولم ينفصل منهما٢ شيءٌ = فما أبردها من شبهةٍ؛ فإنَّ "الظُّفُرَ" و"الشَّعْرَ" تابعان للأعضاءِ والمِزَاجِ٣ الذي وقع فيه التشابه، فاسْتَتْبَع تَشَابُهُ الأصلِ تَشَابُهَ التَّبَع.
وأمَّا شبه المولود بالجَدِّ البعيد من أجداده فهو من٤ أقوى الأدلَّة لنا في المسألة؛ لأنَّ ذلك الشَّبَه البعيد لم يَزَلْ يُنْقَلُ في الأَصْلاب حتَّى استقرَّ في صورة الولد، وبها حصل الشَّبَهُ.
(١) في (ز): الأصيلة!
(٢) في جميع النسخ: بينهما، وما أثبته أنسب،
(٣) مِزَاجُ البدن: ما رُكِّبَ عليه من الطبائع. "مختار الصحاح" (٦٤٨).