التبيان

وأمَّا قولكم: إنَّ تلك الأجزاء لا تخلو: إمَّا أن تكون موضوعةً في "المَنِيِّ" وضْعَها الواجب أَوْ لا … إلى آخره، فجوابه: أنكم إنْ عَنَيتُم أنَّها موضوعةٌ بالفعل فليس كذلك، وإنْ أردتم أنَّها موضوعةٌ بالقوَّة فَنَعم. وما١ المانع منه! ويكون "المَنِيُّ" حيوانًا صغيرًا بل كبيرًا بالقوَّة؟

وبهذا ظهر الجواب عن قولكم: إنَّ "المَنِيَّ" رطوبةٌ سيَّالَةٌ لا تحفظ الوضع٢ والترتيب. فغاية ما يقَدَّر أنَّ ذلك جزءٌ من أجزاء السبب الذي يخلق الله به الولد، وجزء السبب لا يستقلُّ بالحكم. فالمُسْتَقِلُّ بالإيجاد مشيئةُ الله وحده، والأسبابُ مَحَالُّ لظهور أثر المشيئة٣.

فصل

فإن قيل: هذا تصريحٌ منكم بأنَّ المرأة لها "مَنِيٌّ"، وأنَّ منها أحد الجزئين اللَّذَين يخلق الله منهما الولد. وقد ظنَّ طائفةٌ من الأطبَّاء أنَّ المرأة لا "مَنِيَّ" لها!

قيل: هذا هو السؤال الذي أوردته أُمُّ المؤمنين عائشة ﵂، وأُمُّ سلمة ﵂ على النبيِّ ﷺ، وأجابهما عنه بإثبات "مَنِيِّ" المرأة.

ففي "الصحيح" أنَّ أُمَّ سُلَيم ﵂ قالت: يا رسول الله إنَّ الله لا يستَحْيي من الحقِّ، هل على المرأة من غُسْلٍ إذا هي احتَلَمت؟

  1. (١) في (ك): وأما، وهو خطأ.
  2. (٢) في (ح): الموضع، وفي (م): المواضع.
  3. (٣) العبارة في (ح) و(م) هكذا: والأسباب فحال الظهور أثر الشبه!
502

قال: "نعم، إذا رأَت الماءَ"، فقالت أُمُّ سَلَمة١: أوَ تَحْتَلِمُ المرأةُ؟ فقال: "تَرِبَتْ يَدَاكِ، فَبِمَ يُشْبِهُها ولدُها؟ "٢.

وفيهما عن عائشة ﵂ أنَّ أُمَّ سُلَيم ﵂ سألت رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرَّجُل: هل عليها من غُسْلٍ؟ قال: "نعم، إذا رأت الماءَ"، قالت: فقلت لها: أُفٍّ [لكِ]٣، أَترَى المرأةُ ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ: "وهل يكون الشَّبَهُ إلَّا من ذلك؟ إذا عَلَا ماؤها ماءَ الرجل أَشْبَهَ الولدُ أَخْوَالَه، وإذا عَلَا ماءُ الرَّجُلِ ماءَها أشبه أَعْمَامَهُ"٤ لفظ مسلم.

وقد أكثَر "جالينوس" التشنيعَ على "أرسطاطاليس"٥، حيث

  1. (١) من (ح) و(م) موافقةً للمصادر، وفي باقي النسخ: أم سليم.
  2. (٢) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (١٣٠، ٢٨٢، ٣٣٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٣١٣)، من حديث أُمِّ سلمة ﵂.
  3. (٣) زيادة من المصادر.
  4. (٤) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٣١٤) من حديث عائشة ﵂.
    وحديث عائشة لم يخرجه البخاري في "صحيحه"، وإنما اقتصر على حديث أُمِّ سلمة، فقول المؤلف هنا: "وفيهما عن عائشة" ممَّا يستدرك.
    قال الحافظ: "وقد اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عنها - أي عن أم سلمة -، ورواه مسلم - أيضًا - من رواية الزهري عن عروة لكن قال: "عن عائشة"، وفيه أن المراجعة وقعت بين أم سُليم وعائشة، ونقل القاضي عياض عن أهل الحديث أنَّ الصحيح أنَّ القصة وقعت لأُم سلمة لا لعائشة، وهذا يقتضي ترجيح رواية هشام، وهو ظاهر صنيع البخاري،. . ." إلخ وفيه تتمةٌ مفيدة. "الفتح" (١/ ٤٦٢).
  5. (٥) هو أرسطوطاليس بن نيقوماخس الفيثاغوري، ومعنى "أرسطوطاليس" أي: مدبر الحكمة، أو تامُّ الفضيلة، لازَمَ أفلاطون عشرين سنة وكان يسميه: =
503

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي