التبيان

قال: إنَّ المرأة لا "مَنِيَّ" لها! فَلْنُحرِّرْ هذه١ المسألة طبعًا كما حُرِّرَت شرعًا؛ فنقول:

"مَنِيُّ" الذَّكَر من جملة الرُّطُوبات والفضلات التي في البدن، وهذا أمرٌ مُشتركٌ بين الذَّكَر والأنثى، وبواسطته يُخْلَق الولد، وبواسطته يكون الشَّبَه. ولو لم يكن للمرأة "مَنِيٌّ" لمَا أشْبَهَها ولدُها.

ولا يقال: إنَّ الشَّبَه بسبب دَمِ الطَّمْث، فإنَّه لا ينعقد مع "مَنِيِّ" الرَّجُل، ولا يَتَّحِدُ به، وقد أجرى الله - سبحانه - العادة بأنَّ التَّوَلُّدَ والتَّوَالُدَ لا يكون إلا بين أصلين يتولَّد من بينهما ثالثٌ. و"مَنِيُّ" الرَّجُل وحده لا يتولَّدُ منه الولد ما لم تمازِجْهُ مادَّةٌ أخرى من الأنثى.

وقد اعترف أرباب القول الآخر بذلك، وقالوا: لا بدَّ من وجود مادَّةٍ بيضاء لَزِجَةٍ للمرأة تصير مادَّةً لبدن الجَنين. ولكن نازعوا: هل فيها قوَّةٌ عاقِدةٌ، كما في "مَنِيِّ" الرَّجُل؟

وقد فَصَّلَ٢ النبيُّ ﷺ هذه المسألة في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه"٣، من حديث ثوبان مولاه، حيث سأله

  1. = "العقل"، انتهت إليه فلسفة اليونانيين، وهو خاتمة حكمائهم، وعن رأيه كان يصدر "الاسكندر المقدوني" في سياسة مملكته، توفي سنة (٣٢٢) قبل الميلاد.
    انظر: "طبقات الأطباء" (٢٥)، و"تاريخ الحكماء" (٢٧)، و"عيون الأنباء" (٨٦).
  2. (١) ساقط من (ز) و(ك) و(ط)، وأثبته من (ح) و(م).
  3. (٢) في (ح) و(م): أدخل!
  4. (٣) رقم (٣١٥)؛ وقد سبق تخريجه (ص/ ٥٠٠).
504

اليهوديُّ عن الولد، فقال: "ماءُ الرَّجُلِ أبيضُ، وماءُ المرأة أصفر، فإذا اجتمعا؛ فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ المرأةِ أذْكَرَا بإذن الله، وإذا عَلَا مَنِيُّ المرأةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بإذن الله".

نعم؛ لِـ "مَنِيِّ" الرَّجُلِ خاصَّةُ الغِلَظِ والبياضِ، والخروجِ بدَفْقٍ ودَفْعٍ؛ فإن أراد مَنْ نَفَى "مَنِيَّ" المرأة انتفاءَ ذلك عنها أصاب.

ولِـ "مَنِيِّ" المرأة خاصَّةُ الرِّقَّةِ، والصُّفْرَةِ، والسَّيَلَان بغير دَفْعٍ؛ فإنْ نَفَى ذلك عنها أخطأ.

وفي كُلٍّ من الماءَين قوَّةٌ، فإذا انضَمَّ أحدُهما إلى الآخر اكتسَبَا قوَّةً ثالثةً هي من أسباب تكوُّن الجنين.

واقتضت حكمةُ الخلَّاق العظيم - سبحانه - أن جعل داخل "الرَّحِم" خَشِنًا كالإسفَنْجِ، وجعل فيه طلبًا "للمَنِيِّ" وقبولًا له، كطلب الأرض الشديدة العطش للماء وقبولها له، فجعله طالبًا حافظًا مشتاقًا إليه بالطَّبْعِ؛ فلذلك إذا ظَفِر به أَمْسَكَهُ ولم يُضَيِّعْهُ ويَزْلِقْهُ١، بل٢ يشتمِلُ عليه أتَمَّ اشتمالٍ، ويَنْضَمُّ عليه أعظم انضمامٍ، لئلَّا يفسده الهواءُ، فتتولَّى القوَّةُ والحرارةُ التي هناك وبإذن الله لمَلَكِ "الرَّحِم": عَقْدَهُ، وطَبخَهُ أربعين يومًا كما يشاء، وفي تلك الأربعين يُجمَعُ خَلْقُه؛ فإنَّ "الرَّحِم"٣ إذا اشتمل على "المَنِيِّ" ولم يقذِفْهُ إلى خارجٍ استدار "المَنِيُّ"

  1. (١) ساقط من (ح) و(م). وزَلَقَهُ عن مكانه يَزْلِقُه: بعَّدَهُ ونَحَّاهُ. "القاموس" (١١٥٠).
  2. (٢) ساقط من (ز) و(ك)، وأثبته من (ح) و(م) و(ط).
  3. (٣) من قوله: "عَقْدَهُ، وطبخه أربعين يومًا. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
505

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي