التبيان

وإذا تَمَّ خَلْقُه في خمسةٍ وثلاثين يومًا تحرَّك لسبعين، وانفصل لسبعة أشهر.

وإذا تَمَّ خَلْقُه لأربعين يومًا تحرَّك لثمانين يومًا، وانفصل لثمانية أشهر.

وإذا تَمَّ لخمسةٍ وأربعين تحرَّك لتسعين، وانفصل لتسعة أشهرٍ، وعلى هذا الحساب أبدًا.

وهذا الذي ذكره هذا القائل يقتضي حركة الجَنين قبل الأربعين١، وهذا خطأ قطعًا؛ فإنَّ "الرُّوحَ" إنَّما تتعلَّق به بعد الأربعين الثالثة، وحينئذٍ يتحرَّك، فلا تثبت له حركةٌ قبل مائةٍ وعشرين يومًا، وما يُقَدَّرُ من حركةٍ له قبل ذلك فليست حركةً ذاتيةً اختياريةً، بل لعلها حركةٌ عارِضةٌ بسبب الأغشية والرُّطُوبات.

وما ذكره من الحساب لا يقوم عليه دليلٌ ولا تجربةٌ مطَّرِدَةٌ، فَرُبَّما زاد على ذلك أو نقص منه، ولكن الذي نقطع به أنَّ "الرُّوحَ" لا تتعلَّق به إلا بعد الأربعين الثالثة، وما يُقَدَّرُ من حركةٍ قبل ذلك - إنْ صَحَّت - لم تكن بسبب "الرُّوح"، والله أعلم.

فصل

وأمَّا أَقَلُّ مُدَّةِ الحَمْل فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنَّها ستة أشهر، قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ

  1. (١) من أول السطر إلى هنا؛ ساقط من (ز) و(ط)، وهو ملحق بهامش (ك).
509

كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].

قال "جالينوس": "كنتُ شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحَمْل، فرأيتُ امرأةً واحدةً ولدت في مائةٍ وأربعٍ وثمانين ليلةً".

وزعم صاحب "الشِّفَاء"١ أنَّه شاهد ذلك.

وأَمَّا أكثره فقال في "الشِّفَاء": "بلغني من حيث وَثِقْتُ كُلَّ الثِّقَةِ أنَّ امرأةً وضعَت بعد الرابع من سِنِّ الحَمْل ولدًا قد نبتت أسنانه، وعاش".

فصل

فإن قيل: فما سبب الإذْكَارِ والإِينَاثِ؟

قيل: الذي نختاره أنَّهُ إنَّما سببه مشيئةُ الرَّبِّ الفاعِل باختياره، وليس له سببٌ طبيعيٌّ، وكلًّ ما ذَكَرَهُ أصحابُ الطبائع من الأسباب فَمُنْتَقِضٌ؛ مثل: حرارة الرَّجُل ورطوبته. قالوا: وفساد المِزَاج - أيضًا - يوجِبُ إيلَادَ الإناث، واستقامته تُوجِبُ الإذْكَار.

وكُلُّ هذا تخليطٌ وهذيانٌ؛ فليس للإذْكَار والإينَاث إلا قول الله لِمَلَكِ الأرحام - وقد استأذنَهُ -: "يا ربِّ ذَكَرٌ، يا ربِّ أنثَى، يا ربِّ شقيٌّ أم سعيدٌ، فما الرزقُ؟ فما الأجلُ؟ "٢. فالإذْكَارُ والإينَاثُ قُرَانَى٣

  1. (١) هو أبو علي الرئيس، الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، العلامة الفيلسوف، صاحب التصانيف الكثيرة في الطب والفلسفة والمنطق، كفَّره أهل العلم لإلحاده في النبوة والمعاد وغير ذلك، مات بهَمَذان سنة (٤٢٨ هـ).
    انظر: "تاريخ الحكماء" (٤١٣)، و"السير" (١٧/ ٥٣١).
  2. (٢) سبق تخريجه (ص/ ٤٩٨).
  3. (٣) "قُرَانى" كالقَرِين، وهو المقارِن والمصاحِب. "القاموس" (١٥٧٩). =
510

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي