التبيان

حدثنا حسين بن الحسن، حدثنا أَبو كُدَيْنَة١، عن عطاء بن السائب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله قال: مرَّ يهوديٌّ برسول الله ﷺ -وهو يحدِّثُ أصحابه، فقالت قريشٌ: يا يهوديُّ؛ إنَّ هذا يزعم أنَّه نبيٌّ، فقال: لأَسألنَّهُ عن شيءٍ لا يعلمه إلا نبيٌّ، فجاء حتَّى جلس، ثُمَّ قال: يا محمد؛ مِمَّ يُخْلَقُ الإنسان؟ فقال: "مِنْ كُلٍّ يُخْلَق: من نطفة الرَّجُل، ومن نطفة المرأة. فأَمَّا نطفة الرَّجُل فنطفةٌ غليظةٌ، منها العَظْمُ والعَصَبُ. وأمَّا نطفة المرأة فنطفةٌ رقيقةٌ، منها اللحم والدَّم"، فقام اليهوديُّ فقال: هكذا كان يقول من قَبْلَك٢.

فصل

فإن قيل: قد ذكرتم أنَّ تعلُّقَ "الرُّوح" بالجَنين إنَّما يكون بعد الأربعين الثالثة، وأنَّ خَلْق الجَنين يُجْمَعُ في بطن أُمِّه أربعين يومًا، ثُمَّ يكون "عَلَقةً" مثل ذلك، ثُمَّ يكون "مُضْغَةً" مثل ذلك. وبَيَّنتُم أنَّ كلامَ الأطبَّاء لا يناقض ما صَرَّحَ به الوحي من ذلك. فما تصنعون بحديث حذيفة بن أَسِيدٍ الذي رواه مسلم في "صحيحه"٣ عن النبيِّ ﷺ قال: "يَدْخُلُ المَلَكُ على النُّطْفَة بعدما تستقرُّ في الرَّحِم بأربعين، أو

  1. (١) في جميع النسخ: أبو كريب، والتصحيح من مصادر التخريج.
  2. (٢) أخرجه: أحمد في "المسند" (١/ ٤٦٥)، والنسائي في "السنن الكبرى" رقم (٩٠٢٧)، والطبراني في "المعجم الكبير" رقم (١٠٣٦٠)، وأبو الشيخ في "العظمة" رقم (١٠٧٢).
    وإسناده ضعيف؛ عطاء بن السائب اختلط بأَخَرَة.
    وضعفه أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (٦/ ١٩٩) بشيخ الإمام أحمد؛ وهو: حسين بن الحسن الأشقر.
  3. (٣) رقم (٢٦٤٤)؛ وقد سبق (ص/ ٤٩٨) بلفظٍ قريب منه.
517

خمسٍ وأربعين ليلة، فيقول: أَيْ رَبِّ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيكتبان، فيقول: أي رَبِّ، أَذَكَرٌ أو أنثى؟ فيكتبان، ويُكْتَبُ عملُه، وأَثَرُه، وأَجَلُه، ورزْقُه، ثُمَّ تُطْوَى الصحيفة، فلا يُزَادُ فيها ولا يُنْقَصُ"؟

قيل: نتلقَّاهُ بالقبول والتصديق، وترك التحريف، ولا ينافي شيئًا ممَّا ذكرناه، إذ غاية ما فيه أنَّ هذا التقدير وقع بعد الأربعين الأُولَى، وحديث ابن مسعود يدلُّ على أنَّه وقع بعد الأربعين الثالثة، وكلاهما حقٌّ؛ فإنَّ هذا تقديرٌ بعد تقدير:

فالأوَّل: تقديرٌ١ عند انتقال "النُّطْفَة" إلى أوَّل أطوار التخليق التي هي أوَّل مراتب الإنسان، وما قبل ذلك فلم يتعلَّق بها التخليق٢.

والتقدير الثاني: تقديرٌ عند كمال خلقه ونفخ "الرُّوح".

فذاك تقديرٌ عند أوَّل خَلْقه وتصويره، وهذا تقديرٌ عند تمام خَلْقه وتَصَوُّرِه.

وهذا أحسن من جواب من قال: إنَّ المراد بهذه الأربعين - التي في حديث حذيفة - الأربعينُ الثالثة! وهذا بعيدٌ جدًّا من لفظ الحديث، ولفظه يَأْبَاهُ كلَّ الإباء، فتأمَّلْهُ٣.

  1. (١) زيادة من (ح) و(م)، وسقطت من باقي النسخ.
  2. (٢) من قوله: "التي هي أول مراتب الإنسان. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
  3. (٣) للجواب عن الأشكال الوارد حول حديث حذيفة وابن مسعود ﵄ انظر: شرح مشكل الآثار" (٧/ ٨٦ - ٩٥)، و"فتاوى ابن الصلاح" (١/ ١٦٤ - ١٦٧)، و"جامع العلوم والحكم" (١/ ١٥٨ - ١٦٤)، و"الفتح" (١١/ ٤٩٢).
518

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي