التبيان

[كما]١ في حديث حذيفة بن أَسِيد المذكور.

الرابع: تقديرٌ آخر بعد هذا، وهو عندما يتمُّ خَلْقُه ويُنفَخُ فيه "الرُّوح"، كما صرَّح به [الحديث]٢ الذي قبله.

وهذا يدلُّ على سعة علم الرَّبِّ ﵎، وإحاطته بالكُلِّيَّات والجزئيَّات. وكذلك التصوير الثاني مطابقٌ للتصوير العلمي، والثالث مطابقٌ للثاني، والرابع مطابقٌ للثالث؛ وهذا ممَّا يدلُّ على كمال قدرة الرَّبِّ ﷾، ومطابقة مقدوره لمعلومه، فتبارك الله رَبُّ العالمين، وأحسنُ الخالقين.

ونظير هذا التقدير الكتابةُ العامَّة قبل المخلوقات، ثُمَّ كتابة ما يكون من العام إلى العام في ليلة القدر، وكلُّ مرتبةٍ من هذه المراتب تفصيلٌ لما٣ قبلها وتنويعٌ٤.

وكلام رسول الله ﷺ يصدِّقُ بعضُه بعضًا، ويفسِّرُ بعضُه بعضًا، ويطابق الواقع في الوجود ولا يخالفه. وإنَّما يُخبر بما لا يستقلُّ الحِسُّ ولا العقل بإدراكه، لا بما يخالف الحِسَّ والعقل.

وأمَّا ما يعرفه النَّاس ويستقلُّون بإدراكه على أمرٍ عينيٍّ يتعلَّق به الإيمان، أو على حكمٍ شرعيٍّ يتعلَّق به التكليف٥، والله أعلم.

  1. (١) زيادة يقتضيها السياق، وقد أضيفت "ما" بين السطور في (ز).
  2. (٢) زيادة مهمة لفهم الكلام.
  3. (٣) في (ك): تفصِّل ما.
  4. (٤) من (ح) و(م)، وتصحفت في سائر النسخ إلى: ويتوقع!
  5. (٥) كذا العبارة في سائر النسخ، وفيها تحريف أو سقط!
524

فصل

فإن قيل: أيُّ عُضْوٍ يتخلَّقُ أوَّلًا قبل سائر الأعضاء؟

قيل: قد اختُلِف في ذلك على أربعة أقوال:

أحدها: أنَّه "القلب"، وهذا قول الأكثرين.

والثاني: أنَّه "الدِّماغ" و"العَينَان"، وهو قول "بقراط".

والثالث: أنَّه "الكبد"، وهو قول: محمد بن زكريا١.

والرابع: أنَّه "السُّرَّة"، وهو قول جماعةٍ من الأطبَّاء.

قال أصحاب "القلب": لا نشكُّ أنَّ في "المَنِيِّ" قوَّةً رُوحِيَّةً، وبسبب تلك القوَّة يستعد٢ أن يكون إنسانًا، وحاجته إلى "الرُّوح" الذي هو مادَّة القوى أشدُّ، فلا بدَّ أن يكون لذلك "الرُّوح" مَجْمَعٌ خاصٌّ، منه ينبعث إلى سائر الأعضاء. فالجوهر الروحيُّ أوَّلُ شيءٍ يَنْهَزُ٣ من

  1. (١) هو أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، طبيب المسلمين بلا مدافع، والفيلسوف المشهور، اشتغل في صغره بالعلوم العقلية، فأكبَّ على كتب الحكماء الأوائل، وأوغل فيها حتى "اضطرب لذلك رأيه، وتقلد آراء سخيفة، وانتحل مذاهب خبيثة"، أمَّا صناعة الطب فإنَّما تعلَّمها عن كِبَر، وكان ذكيًّا فطنًا، كريمًا بارًّا بالفقراء، رؤوفًا بالمرضى، خدم بطبِّه الأكابر من ملوك العجم، وكان يلقب بـ "جالينوس العرب"، صنف كتبًا كثيرة منها: "الحاوي" في الطب وهو أعظم كتبه وأنفعها، و"ايساغوجي" في المنطق، توفي سنة (٣١٣ هـ).
    انظر: "طبقات الأطباء" (٧٧)، و"تاريخ الحكماء" (٢٧١)، و"عيون الأنباء" (٤١٤).
  2. (٢) في (ح) و(م): سَعِد.
  3. (٣) تصحفت في (ز) و(ح) و(م) و(ط) إلى: ينهر. =
525

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي