الحديث الصحيح إلى ما يرشد إلى ذلك فقال: "إنَّ في الجسد مُضْغَةً إذا صلَحَت صَلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَت فَسَدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب"١.
فما أَوْلَى هذه المُضْغَة أن تكون متقدِّمةً في وجودها على سائر الأعضاء، وسائرها تبعٌ لها في الوجود، كما هي تبعٌ لها في الصلاح والفساد.
قالوا: وقد شاهد٢ أصحاب التشريح في "المَنِيِّ" عند انعقاده نقطةً٣ سوداء في وَسْطه.
قال أصحاب "الدِّماغ": شاهدنا "الفِرَاخَ" في البيض٤ أوَّل ما يتكوَّن منها رؤوسُها، وسُنَّةُ الله في تكوُّن٥ الأجِنَّة في "الأرحام" كذلك.
قالوا: ولأنَّ "الدِّماغ" مجمعُ الحواسِّ، ورئيس البدن، وأشرفه.
قالوا: وهذه سُنَّةُ الله في بروز الجَنين، أوَّل ما يبدو منه إلى الوجود رأسُهُ.
قال أصحاب "الكبد": لما كان "المَنِيُّ" محتاجًا إلى قوَّةٍ غَاذِيةٍ
(١) "ألا وهي القلب" تكررت مرتين في (ز) و(ك) و(ح). والحديث أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٥٢، ٢٠٥١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير ﵁.
(٢) في جميع النسخ: يشاهد، وما أثبته أنسب.
(٣) في (ح) و(م): نطفةً!
(٤) "في البيض" ساقط من (ك).
(٥) في (ح) و(م): تلك.
تزيد في جوهره حتَّى يصير بحيث يمكن أن تُكَوَّنَ الأعضاءُ فيه؛ كان أوَّلَ الأعضاء وأسبَقَها إليه هو مَحَلُّ القوَّة الغَاذِية؛ وهو "الكبد".
قال أصحاب "السُّرَّة": حاجة الجَنِين إلى جَذْب الغذاء أشدُّ من حاجته إلى آلات قِوَاه وإدراكه، ومن "السُّرَّة" يَثِجُّ١ الغذاء.
وأَوْلَى هذه الأقوال القولُ الأوَّل. ومرتبةُ٢ "القلب" وشَرَفُهُ ومنزلتُه ومَحَلُّه الذي وضَعَهُ الله به يقتضي أنَّه المبدوءُ به قبل سائر الأعضاء، المتقدِّمُ عليها بالوجود. والله أعلم٣.
فصل
فإن قيل الجَنِينُ قبل نفخ "الرُّوح" فيه، هل كان فيه حركةٌ وإحساسٌ أم لا؟
قيل: كان فيه حركة النُّمُوِّ والاغتذاء كالنَّبات، ولم تكن له حركة الحِسِّ٤ والإرادة، فلمَّا نُفِخَت فيه "الرُّوح" انضمَّت حركة حِسِّهِ وإرادته إلى حركة نُموِّه واغتذائه.
فإن قيل: قد ثبت أنَّ الولد يتخلَّقُ من ماء الأبوين، فهل يتمازجا