تزيد في جوهره حتَّى يصير بحيث يمكن أن تُكَوَّنَ الأعضاءُ فيه؛ كان أوَّلَ الأعضاء وأسبَقَها إليه هو مَحَلُّ القوَّة الغَاذِية؛ وهو "الكبد".
قال أصحاب "السُّرَّة": حاجة الجَنِين إلى جَذْب الغذاء أشدُّ من حاجته إلى آلات قِوَاه وإدراكه، ومن "السُّرَّة" يَثِجُّ١ الغذاء.
وأَوْلَى هذه الأقوال القولُ الأوَّل. ومرتبةُ٢ "القلب" وشَرَفُهُ ومنزلتُه ومَحَلُّه الذي وضَعَهُ الله به يقتضي أنَّه المبدوءُ به قبل سائر الأعضاء، المتقدِّمُ عليها بالوجود. والله أعلم٣.
فصل
فإن قيل الجَنِينُ قبل نفخ "الرُّوح" فيه، هل كان فيه حركةٌ وإحساسٌ أم لا؟
قيل: كان فيه حركة النُّمُوِّ والاغتذاء كالنَّبات، ولم تكن له حركة الحِسِّ٤ والإرادة، فلمَّا نُفِخَت فيه "الرُّوح" انضمَّت حركة حِسِّهِ وإرادته إلى حركة نُموِّه واغتذائه.
فإن قيل: قد ثبت أنَّ الولد يتخلَّقُ من ماء الأبوين، فهل يتمازجا
(٢) في (ح) و(م): وهو بيت! وفي سائر النسخ: ومرتبته، وما أثبته هو الصحيح.
(٣) ذكر نحوًا من هذا في "تحفة المودود" (٤٠٨ - ٤٠٩)، و"مفتاح دار السعادة" (٢/ ١٩).
(٤) في (م): الإحساس، وفي (ح): نموه.
ويختلطا١ حتَّى يصيرا ماءً واحدًا، أو يكون أحدهما هو المادَّة والآخر بمنزلة "الإِنْفَحَة"٢ التي تعقده؟
قيل: هو موضعٌ اختلف فيه أرباب الطبيعة:
فقالت طائفةٌ منهم: "مَنِيُّ" الأب لا يكون جزءًا من الجَنين، وإنَّما هو مادَّة "الرُّوح" الساري في الأعضاء، وأجزاءُ البدن كلُّها من "مَنِيِّ" الأُمِّ.
ومنهم من قال: بل هو ينعقد من "مَنِيِّ" الأُمِّ٣، ثُمَّ يتحلَّلُ ويفسد.
قالوا: ولهذا كان الولدُ جزءًا من أُمِّه، ولهذا جاءت الشريعة بتَبَعِيَّتِه لها في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ.
قالوا: ولهذا٤ لو نَزَا فَحْلُ رَجُلٍ على حِجْرَةِ٥ آخر فأَوْلَدَها؛ فالولدُ لمالك الأُمِّ دون مالك الفَحْل؛ لأنَّه تكوَّنَ من أجزائها وأحشائها ولحمها ودمها، وماءُ الأب بمنزلة الماء الذي يسقي الأرض.
(١) كذا في النسخ، وهي عاميَّةٌ تأثَّر بها المؤلِّف، والوجه: يتمازجان ويختلطان.
(٢) "الإنْفَحَة": شيءٌ أصفر يستخرج من بطن الحَمْل أو الجَدْي الرضيع الذي لم يرعى النبتَ بعدُ، ليعصر في اللبن فيُصنَع منه الجبن. انظر: "المصباح المنير" (٨٤٦)، و"تاج العروس" (٧/ ١٩٠).
(٣) في (ح) و(م): الأنثى.
(٤) بعده في (ز) زيادة: كان.
(٥) "حِجْرَة": هي أنثى الفَرَس. والأصل "حِجْر" بدون الهاء، وزيادتها لحنٌ عند أكثر أئمة اللغة. انظر: "تاج العروس" (١٠/ ٥٣٦).