التبيان

بطنها، وغذَّتْهُ لبانها، مع الجُزْء الذي فيه منها. وكان الأبُ أحقَّ بنَسَبِه وتعصيبه؛ لأنَّه أصله، ومادَّته، ونسخته١. وكان أشرفهما دينًا أَوْلَى به؛ تغليبًا لدين الله وشرعه.

فإن قيل٢: فهَلَّا طردَّتم هذا وقلتم: لو سَقَطَ بَذْرُ رَجُلٍ في أرض رَجُلٍ٣ آخر، يكون الزَّرْع لصاحب الأرض دون مالك البَذْر؟

قيل: الفرق بينهما أنَّ البَذْر مالٌ مُتَقَوَّمٌ نَبَتَ٤ في أرض آخر، فهو لمالكه، وعليه أجرة الأرض، أو هو بينهما. بخلاف "المَنِيِّ"؛ فإنَّه ليس بمالٍ، ولهذا نَهَى الشارعُ عن المعاوضة عليه٥.

واتفق الفقهاء على أنَّ الفَحْلَ لو نَزَا على رَمَكَةٍ٦ لكان الولد لصاحب الرَّمَكَة٧.

  1. (١) قال المؤلف في "إعلام الموقعين" (٣/ ٢٦٨):
    "قد اتفق المسلمون على أنَّ النَّسَب للأب، كما اتفقوا على أنَّه يتبع الأُمَّ في الحريَّة والرِّقِّ".
  2. (٢) ساقط من (ز).
  3. (٣) ساقط من (ح) و(م).
  4. (٤) ساقط من (ح) و(م).
  5. (٥) روى البخاري في "صحيحه" رقم (٢٢٨٤) من حديث نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ عن عَسْب الفَحْل".
    وروى مسلم في "صحيحه" رقم (١٥٦٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضِرَاب الجَمَل".
  6. (٦) "رَمَكَة" - بفتح الجميع -: الأنثى من البَرَاذِين، والجمع: رِمَاك، كـ: رَقَبَة ورِقَاب. "المصباح المنير" (٣٢٦).
  7. (٧) حكى هذا الاتفاق - أيضًا - في "إعلام الموقعين" (٣/ ٢٦٧).
531

فصل

فإن قيل: فهل يتكوَّنُ الجَنِينُ من ماءَين وَوَاطِئَين؟

قيل: هذه المسألةُ شرعيَّةٌ كونيَّةٌ، والشَّرْعُ فيها تابعٌ للتكوين. وقد اختُلِف فيها شَرْعًا وقَدَرًا:

فمنعت ذلك طائفةٌ وأَبَتْهُ كلَّ الإباء، وقالت: الماء إذا استقرَّ في "الرَّحِم" اشتملَ عليه، وانضمَّ غاية الانضمام، بحيث لا يبقى فيه مقدار رَسْم رأس إبرة إلَّا انْسَدَّ١، فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك لماءٍ ثانٍ، لا من الواطئ، ولا من غيره.

قالوا: وبهذا أجرى اللهُ العادةَ؛ أنَّ الولد لا يكون إلَّا لأبٍ واحدٍ، كما لا يكون إلَّا لأُمٍّ واحدةٍ.

وهذا هو مذهب الشافعي٢.

  1. (١) في جميع النسخ: وإلا فَسَد، وما أثبته أنسب للسياق.
  2. (٢) انظر: "الأم" (٧/ ٦٠٤)، و"معرفة السنن والآثار" للبيهقي (١٤/ ٣٦٥ - ٣٧٦)، و"البيان" للعمراني (٨/ ٢٧).
    قال الإمام الماوردي ﵀ في "الحاوي" (١٧/ ٣٨٤) ما ملخصه:
    "والدليل على إبطال إلحاق الولد بأبوين، قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣]، وهذا خطابٌ لجميعهم، فدلَّ على انتفاء خلق أحدهم من ذكرين وأنثى. وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢]، فمَنَع أن يكون مخلوقًا من نطفتين.
    ويدلُّ عليه أن ليس في سالف الأُمَم وحديثها، ولا جاهلية ولا إسلام؛ أن نسبوا أحدًا إلى أبوين، وفي إلحاقه باثنين خرق العادات، وفي خرقها إبطال المعجزات، وما أفضى إلى إبطالها بطَل في نفسه، ولم يبطلها. والذي يؤكد ذلك - مع ما قدَّمناه - شيئان: =
532

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي