وقد ثبت عن النبيِّ ﷺ أنَّه مَرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ على باب فُسطاطٍ، فقال: "لعلَّ سيِّدَها يريد أنْ يُلِمَّ بها، لقد هَمَمْتُ أن أَلْعَنَهُ لعنًا يدخل معه قبره، كيف يُورِّثُه وهو لا يَحِلُّ له١؟ كيف يستعبدُه٢ وهو لا يَحِلُّ له٣؟! "٤.
و"المُجِحُّ": الحاملُ المُقْرِبُ.
وقوله: "كيف يُورِّثه"٥، أي: يجعل٦ الولد تركةً مورَّثةً عنه كأنَّه٧ عبدُه، ولا يحلُّ له ذلك؛ لأنَّه قد صار فيه جزءٌ من أجزائه بوطئه، وكيف يجعله عبدَهُ، وهو لا يحلُّ له ذلك٨؟
(١) ساقط من (ز) و(ك).
(٢) كذا في (ز) و(ك)، ولفظ مسلم: "يستخدمه".
(٣) "كيف يستعبده وهو لا يحل له" ساقط من (ح) و(م).
(٤) أخرجه: مسلم في "صحيحه" رقم (١٤٤١) من حديث أبي الدرداء ﵁. "الفسطاط": خِبَاءٌ صغيرٌ نحو بيت الشَّعْر. "يُلِمَّ بها": أي: يطأها، وقد كانت حاملًا مسبِيَّةً لا يحل جماعها حتى تضع. انظر: "شرح مسلم" للنووي (١٠/ ١٤ - ١٥).
(٥) "كيف يورِّثه" ساقط من (ك).
(٦) بعده في (ح) و(م) زيادة: له.
(٧) في جميع النسخ: لأنه، وما أثبته أنسب.
(٨) هذا المعنى الذي ذكره المؤلف هاهنا قد انتصر له في "تهذيب السنن" (٣/ ٧٣ - ٧٤)، وعليه أكثر شُرَّاح "صحيح مسلم" كـ: القاضي عياض في "الإكمال" (٤/ ٦٢١)، والمازري في "المعلم" (٢/ ١٠٤)، وأبي العباس القرطبي في "المفهم" (٤/ ١٧٢). ولم يرتضه النووي، وقال: "هذا القول ضعيفٌ أو باطل"! ثم ذكر تفسيرًا =
فهذا دليلٌ على أنَّ وَطْء الحامل يزيد في الأجزاء، وقد دلَّت المشاهدةُ على أنَّ الحامل إذا وُطِئت كثيرًا جاء الولد عَبْلًا١ ممتلئًا، وإذا هُجِر وطؤها جاء الولد ضئيلًا ضعيفًا.
فهذه أسرارٌ شرعيَّةٌ موافقةٌ للأسرار الطبيعيَّة، مبنيَّةٌ عليها. والله أعلم.
فإن قيل: فهل يمكن أن يُخْلَقَ من الماء الواحد٢ ولَدَان في بطنٍ واحدٍ؟
قيل: هذه مسألة "التَّوْأَم"، وهو ممكن، بل قد وقع، وله أسباب:
أحدها: كثرة "المَنِيِّ"، فيفيضُ٣ إلى بطن "الرَّحِم" دُفُعَاتٍ، و"الرَّحِمُ" يعرض له عند الحركة الجاذبة٤ "للمَنِيِّ" حركاتٌ اختلاجيَّةٌ مختلفةٌ، فَرُبَّما اتَّفَق أنْ كان الجاذب٥ للدفعة الأولى من "المَنِيِّ" أحد جانبيه، وللثانية الجانب الآخر.
ومنها: أنَّ بيت الأولاد في "الرَّحِم" فيه تجاويف، فيكون "المَنِيُّ" كثيرًا، فيَفْضُل عن أحدها فَضْلَةٌ يشتمل عليها التجويف الثاني، وهكذا الثالث.
= آخر للحديث؛ انظره في "شرح مسلم" (١٠/ ١٥). وهو عين ما ذكره الخطابي في "معالم السنن" (٢/ ٦١٤).