فهذا دليلٌ على أنَّ وَطْء الحامل يزيد في الأجزاء، وقد دلَّت المشاهدةُ على أنَّ الحامل إذا وُطِئت كثيرًا جاء الولد عَبْلًا١ ممتلئًا، وإذا هُجِر وطؤها جاء الولد ضئيلًا ضعيفًا.
فهذه أسرارٌ شرعيَّةٌ موافقةٌ للأسرار الطبيعيَّة، مبنيَّةٌ عليها. والله أعلم.
فإن قيل: فهل يمكن أن يُخْلَقَ من الماء الواحد٢ ولَدَان في بطنٍ واحدٍ؟
قيل: هذه مسألة "التَّوْأَم"، وهو ممكن، بل قد وقع، وله أسباب:
أحدها: كثرة "المَنِيِّ"، فيفيضُ٣ إلى بطن "الرَّحِم" دُفُعَاتٍ، و"الرَّحِمُ" يعرض له عند الحركة الجاذبة٤ "للمَنِيِّ" حركاتٌ اختلاجيَّةٌ مختلفةٌ، فَرُبَّما اتَّفَق أنْ كان الجاذب٥ للدفعة الأولى من "المَنِيِّ" أحد جانبيه، وللثانية الجانب الآخر.
ومنها: أنَّ بيت الأولاد في "الرَّحِم" فيه تجاويف، فيكون "المَنِيُّ" كثيرًا، فيَفْضُل عن أحدها فَضْلَةٌ يشتمل عليها التجويف الثاني، وهكذا الثالث.
= آخر للحديث؛ انظره في "شرح مسلم" (١٠/ ١٥). وهو عين ما ذكره الخطابي في "معالم السنن" (٢/ ٦١٤).
(٤) في (ز) و(ك) و(ط): الحادثة، وما أثبته من (ح) و(م).
(٥) في (ز) و(ك) و(ط): الحادث، وما أثبته من (ح) و(م).
قال أرسطو: "وقد يعيش للمرأة خمسةُ أولادٍ في بطنٍ واحدٍ". وحَكَى عن امرأةٍ أنَّها وضعت في أربع بطونٍ عشرين ولدًا.
قال صاحب "القانون"١: "سمعت بـ "جُرْجَان" أنَّ امرأةً أسقطت كيسًا فيه سبعون صورةً، كلُّ صورةٍ٢ صغيرةٌ جدًّا".
قال أرسطو: "وإذا أَتْأَمَتْ بذكرٍ وأُنثى فقلَّما تَسْلَمُ الوالدةُ والمولود، وإذا أَتْأَمَتْ بذكرين أو أُنثيين فتَسْلَمُ كثيرًا".
قال: "والمرأة قد تَحْبَلُ على الحَبَلِ، ولكن يهلك الأوَّل في الأكثر، فقد أسقطت امرأةٌ واحدةٌ اثني عشر جنينًا، حَمْلًا على حَمْلٍ. وأمَّا إذا كان الحَمْلُ واحدًا، أو بعد وضع الأوَّل: فقد يعيشان". والله أعلم.
فصل
فإن قيل: فما السبب المانع للحامل من الحيض غالبًا. قال الإمام أحمد وأبو حنيفة: إنَّ ما تراه من "الدَّم" يكون دم فسادٍ لا حيض. والشافعيُّ وإنْ قال إنَّه دمُ حيضٍ - وهو إحدى الروايتين عن عائشة - فلا ريب أنَّه نادرٌ بالإضافة إلى الأغلب؟
(١) هو ابن سينا، وقد سبقت ترجمته (ص/ ٥١٠). وكتاب "القانون" من أعظم ما أُلِّف في الطبِّ، ونفعه مستمرٌّ إلى عصرنا، وقد طبع قديمًا في أوربا في مطبعة روما سنة (١٥٩٣ م). وذكر الزركلي في "الأعلام" أنه طبع في سنة (١٤٧٦ م). انظر: "مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي" محمود الطناحي (٢٧).