التبيان

قيل: دم الطَّمْثِ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

١ - قسمٌ ينصرف إلى غذاء الجَنين.

٢ - وقسمٌ يصعد إلى البدن.

٣ - وقسمٌ يَحْتَبِسُ إلى وقت الوَضْع، فيخرج مع الولد، وهو "دَمُ النِّفَاس".

ورُبَّما كانت مادَّةُ "الدَّم" قويَّةً - وهو كثيرٌ - فيخرج بعضُه؛ لقوَّته وكثرته.

والراجح من الدليل أنَّه حيضٌ، حكمُهُ حكمُهُ، إذ ليس هناك دليلٌ عقليٌّ ولا شرعيٌّ يمنع من كونه حيضًا، واستيفاء الأدلَّة من الجانبين قد ذكرناه في موضعٍ آخر١. والله أعلم.

فإن قيل: فما السبب في أنَّ النِّساءَ الحُبَالَى يَشْتَقْنَ في الشهر الثاني والثالث إلى تناول الأشياء الغريبة التي لم تَعتَد بها طباعُهُنَّ؟

قيل: لأنَّ دم الطَّمْثِ لمَّا احتُبِسَ فيهنَّ بحكمةٍ قدَّرها الله - سبحانه - وهي صَرْفُه غذاءً للولد، ومقدار ما يحتاج إليه يسير، فتدفعه الطبيعة الصحيحة إلى فم "المَعِدَة"، فتحدث لهنَّ شهوة تلك الأشياء الغريبة.

  1. (١) انظر: "تحفة المودود" (٤١٤ - ٤١٧)، و"زاد المعاد" (٥/ ٧٣١ - ٧٣٨) وفيه بسطٌ.
    وقد ذكر المؤلف عن نفسه أنه أفرد هذه المسألة بمصنَّف، انظر: "تهذيب السنن" (٣/ ١٠٩).
540

فإن قيل: فكيف وَضْعُ الجَنين في بطن أُمِّهِ: أقائمًا، أم قاعدًا، أم مضطجِعًا؟

قيل: هو معتمِدٌ بوجهه على رجليه، وبراحتيه على ركبتيه، ورجلاه مضمومةٌ إلى قُدَّامه١، ووجهه إلى ظهر أُمِّه. وهذا من العناية الإلهيَّة به؛ أن أَجْلَسَهُ هذه الجِلْسَة في هذا المكان الضيِّق، فهو في "الرَّحِم" على الشكل الطبيعي.

وأيضًا؛ فلو كان رأسُهُ إلى أسفل لوقع ثِقَلُ الأعضاء الخسيسة على الأعضاء الشريفة، وأدَّى ذلك إلى تَلَفِهِ.

ولأنَّه عند محاولة الخروج إذا انقلب أعَانَهُ ثِقَلُه على الخروج، فإنَّه إذا خرَجَ أوَّلَ ما يخرُجُ منه رأسُهُ؛ لأنَّ "الرأس" إذا خرج أوَّلًا كان خروج سائر الأعضاء بعده سهلًا، ولو خرج على غير هذا الوجه لكان فيه تَعْوِيقٌ وعُسْرٌ. فإنَّ "الرجْلَين" لو خَرَجَتَا أوَّلًا انْعَاقَ خروج الباقي؛ فإنَّهُ إنْ خرجت "الرِّجْلُ" الواحدة أوَّلًا انْعَاقَ عند الثانية، وإن خرجتا معًا انعاق عند "اليدين"، وإن خرجت "اليدان" و"الرجْلَان" انعاق عند "الرأس"، فكان يلتوي إلى خلف وتلتوي "السُّرَّةُ" إلى"العُنُق" فيألم "الرَّحِم"، ويصعب٢ الخروج، ويؤدِّي إلى مَرَضِهِ أو تَلَفِهِ.

فإن قيل: فما سبب الإجْهَاض - الذي يسمُّونه "الطَّرْح" - قبل كمال الولد؟

قيل: الجَنين في "البَطْن" بمنزلة الثمرة في الشجرة، وكلٌّ منهما له

  1. (١) من (ط)، وفي باقي النسخ: قدماه! وجاء في هامش (ز): فخذيه.
  2. (٢) في (ح) و(م): ويضعف.
541

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي