التبيان

اتصالٌ قويٌّ بالأُمِّ، ولهذا يصعب قطع الثمرة قبل كمالها من الشجرة وتحتاج إلى قوَّة، فإذا بلغت الثمرة نهايتها سَهُلَ قَطْعُها، ورُبَّما سقطت بنفسها؛ وذلك لأنَّ تلك الرِّبَاطَات والعُرُوق التي كانت تُمِدُّها من الشجرة كانت في غاية القوَّة، فتوفر١ لغذاء آخر، رجع ذلك الغذاء إلى الشجرة فَضَعُفَت تلك الرِّبَاطات٢ والمجاري، وساعدها ثِقَلُ الثمرة، فسَهُلَ أخذها. وكذا الأمر في الجَنين، فإنَّه ما دام في "البَطْن" قبل كماله واستحكامه، فإنَّ رطوباته وأغشيته ورباطاته٣ تكون مانعةً٤ له من السقوط، فإذا تمَّ وكَمُلَ ضَعُفَت تلك الرِّبَاطات٥، وانْهَتَكَت الأغشيةُ، واجتمعت تلك الرُّطُوبات المُزْلِقَة؛ فسقط الجَنين. هذا الأمر الطبيعي الجاري على استقامة الطبيعة وسلامتها.

وأمَّا السقوط قبل ذلك فلفسادٍ في الجَنين، أو لفسادٍ في طبيعة الأُمِّ، أو لِضَعْف الطبيعة. كما تسقط الثمرة قبل إدراكها لفسادٍ يعرض لها، أو لِضَعْف الأصل، أو لفساد يعرض من خارج. فإسقاط الجَنين لسببٍ من هذه الأسباب الثلاثة، فالآفات التي تصيب الأَجِنَّة بمنزلة الآفات التي تصيب الثمار.

فإن قيل: فكيف فَمُ٦ "الرَّحِم" مع ضِيقه يتَّسع

  1. (١) من (ز) و(ك) و(ط)، وفي (ح):: فنور! وفي (م): فتوخر!! والعبارة مرتبكة.
  2. (٢) في جميع النسخ: الرطوبات، وما أثبته أصح.
  3. (٣) ساقط من (ح) و(م).
  4. (٤) ساقط من (ز).
  5. (٥) في (ح) و(م): الرطوبات.
  6. (٦) ساقط من (ح) و(م).
542

لخروج١ ما هو أكبر منه بأضعافٍ مضاعفةٍ؟

قيل: هذا من أعظم الأدلَّة على عناية الرَّبِّ - تعالى - وقدرته ومشيئته، فإنَّ "الرَّحِم" لا بدَّ أن ينفتح الانفتاحَ العظيمَ جدًّا. قال غير واحدٍ من العقلاء: ولا بدَّ من انفصالٍ يعرض للمفاصل العظيمة، ثُمَّ تلتئم بسرعةٍ٢ أسرع من لَمْح البصر.

وقد اعترف فضلاءُ الأطبَّاء وحُذَّاقُهم بذلك، وقالوا: لا يكون ذلك إلا بعنايةٍ إلهيَّةٍ، وتدبيرٍ تعجز العقول عن إدراكه، وتُقِرُّ للخلَّاق العليم بكمال الربوبيَّة والقدرة.

فإن قيل: فما السبب في بكاء الصبيِّ حال خروجه إلى هذه الدار؟

قيل: هاهنا سببان: سببٌ باطنٌ أخبر به٣ الصادق المصدوق، لا يعرفه الأطبَّاء. وسبب ظاهرٌ.

فأمَّا السبب الباطن؛ فإنَّ الله - سبحانه - اقتضت حكمته أن وكَّلَ بكلِّ واحدٍ من أولاد آدم شيطانًا، فشيطان هذا المولود قد حُبِس٤ ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكَّلَ به، فإذا انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته، تحرُّقًا عليه وتغيُّظًا، واستقبالًا له بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديمًا، فيبكي المولود من تلك الطعنة. ولو آمن زنادقةُ الأطبَّاء والطبائعيين بالله ورسوله لم يجدوا عندهم ما يبطل ذلك ولا يردُّه.

  1. (١) في جميع النسخ: بخروج، وفي (ح) و(م): يخرج منه، والصواب ما أثبته.
  2. (٢) من (ط)، وفي (ز) و(ك): سرعة، وفي (ح) و(م): مسرعة.
  3. (٣) ساقط من (ك).
  4. (٤) في (ح) و(م): خَنَس.
543

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي