التبيان

لخروج١ ما هو أكبر منه بأضعافٍ مضاعفةٍ؟

قيل: هذا من أعظم الأدلَّة على عناية الرَّبِّ - تعالى - وقدرته ومشيئته، فإنَّ "الرَّحِم" لا بدَّ أن ينفتح الانفتاحَ العظيمَ جدًّا. قال غير واحدٍ من العقلاء: ولا بدَّ من انفصالٍ يعرض للمفاصل العظيمة، ثُمَّ تلتئم بسرعةٍ٢ أسرع من لَمْح البصر.

وقد اعترف فضلاءُ الأطبَّاء وحُذَّاقُهم بذلك، وقالوا: لا يكون ذلك إلا بعنايةٍ إلهيَّةٍ، وتدبيرٍ تعجز العقول عن إدراكه، وتُقِرُّ للخلَّاق العليم بكمال الربوبيَّة والقدرة.

فإن قيل: فما السبب في بكاء الصبيِّ حال خروجه إلى هذه الدار؟

قيل: هاهنا سببان: سببٌ باطنٌ أخبر به٣ الصادق المصدوق، لا يعرفه الأطبَّاء. وسبب ظاهرٌ.

فأمَّا السبب الباطن؛ فإنَّ الله - سبحانه - اقتضت حكمته أن وكَّلَ بكلِّ واحدٍ من أولاد آدم شيطانًا، فشيطان هذا المولود قد حُبِس٤ ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكَّلَ به، فإذا انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته، تحرُّقًا عليه وتغيُّظًا، واستقبالًا له بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديمًا، فيبكي المولود من تلك الطعنة. ولو آمن زنادقةُ الأطبَّاء والطبائعيين بالله ورسوله لم يجدوا عندهم ما يبطل ذلك ولا يردُّه.

  1. (١) في جميع النسخ: بخروج، وفي (ح) و(م): يخرج منه، والصواب ما أثبته.
  2. (٢) من (ط)، وفي (ز) و(ك): سرعة، وفي (ح) و(م): مسرعة.
  3. (٣) ساقط من (ك).
  4. (٤) في (ح) و(م): خَنَس.
543

وقد ثبت في "صحيح مسلم"١ عن أبي هرِيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "صياحُ المولود حين يقع نَزْغَةٌ من الشيطان".

وفي "الصحيحين" من حديثه - أيضًا - قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولودٍ يولد إلا نَخَسَهُ الشيطانُ، فيستهِلُّ صارخًا من نَخْسَة٢ الشيطان، إلا ابنَ مريمَ وأُمَّه"٣.

وفي لفظٍ آخر: "يمسُّهُ حين يولد، فيستَهِلُّ صارِخًا من مَسِّ الشيطان إيَّاهُ"٤.

وفي لفظٍ آخر: "كلُّ بني آدم يمسُّهُ الشيطانُ يوم ولدته أُمُّه، إلا مريمَ وابنَها"٥.

وفي لفظٍ للبخاري٦: "كلُّ بني آدم يَطْعَنُ الشيطانُ في جَنْبه٧ بإصْبَعِه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فَطَعَنَ في الحِجَاب".

  1. (١) رقم (٢٣٦٧).
  2. (٢) في (ك): مسّ.
  3. (٣) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٣٤٣١، ٤٥٤٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٣٦٦)، واللفظ له.
  4. (٤) أخرجه: البخاري برقم (٣٤٣١، ٤٥٤٨)، ومسلم برقم (٢٣٦٦).
  5. (٥) هو في الصحيحين - كما سبق تخريجه - واللفظ لمسلم.
  6. (٦) رقم (٣٢٨٦).
  7. (٧) كذا في جميع النسخ، وهو الموافق لرواية الأكثرين كما قال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٣٩٤)، وفي رواية أبي ذر الجرجاني بالتثنية: جنبيه.
    قال الحافظ: "والمراد بالحجاب: الجلدة التي فيها الجنين، أو الثوب الملفوف على الطفل".
544

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي