وقد ثبت في "صحيح مسلم"١ عن أبي هرِيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "صياحُ المولود حين يقع نَزْغَةٌ من الشيطان".
وفي "الصحيحين" من حديثه - أيضًا - قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولودٍ يولد إلا نَخَسَهُ الشيطانُ، فيستهِلُّ صارخًا من نَخْسَة٢ الشيطان، إلا ابنَ مريمَ وأُمَّه"٣.
وفي لفظٍ آخر: "يمسُّهُ حين يولد، فيستَهِلُّ صارِخًا من مَسِّ الشيطان إيَّاهُ"٤.
وفي لفظٍ آخر: "كلُّ بني آدم يمسُّهُ الشيطانُ يوم ولدته أُمُّه، إلا مريمَ وابنَها"٥.
وفي لفظٍ للبخاري٦: "كلُّ بني آدم يَطْعَنُ الشيطانُ في جَنْبه٧ بإصْبَعِه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فَطَعَنَ في الحِجَاب".
(١) رقم (٢٣٦٧).
(٢) في (ك): مسّ.
(٣) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٣٤٣١، ٤٥٤٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٣٦٦)، واللفظ له.
(٥) هو في الصحيحين - كما سبق تخريجه - واللفظ لمسلم.
(٦) رقم (٣٢٨٦).
(٧) كذا في جميع النسخ، وهو الموافق لرواية الأكثرين كما قال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٣٩٤)، وفي رواية أبي ذر الجرجاني بالتثنية: جنبيه. قال الحافظ: "والمراد بالحجاب: الجلدة التي فيها الجنين، أو الثوب الملفوف على الطفل".
والسبب الظاهر - الذي لا يُخْبِر الرُّسُل بأمثاله لِرُخْصِهِ١ عند النَّاس، ومعرفتهم له من غيرهم - هو مفارقته للمَأْلَفِ٢ والعادةِ التي كان فيها إلى أمرٍ غريبٍ، فإنَّه ينتقل من جسمٍ حارٍّ إلى هواءٍ باردٍ، ومكانٍ لم يَأْلَفْهُ، فيستوحش من مفارقته وَطَنَهُ ومَأْلَفَهُ.
وعند أرباب الإشارات أنَّ بكاءَهُ إرهاصٌ٣ بين يدي ما يلاقيه من الشدائد والآلام والمخاوف، وأنشدوا في ذلك:
ويَبْكِي بها المولودُ حتَّى كأنَّهُبكُلِّ الذي يلْقَاهُ فيها يُهَدَّدُ
وإلَّا؛ فما يُبْكِيهِ فيها، وإنَّهالأَوْسَعُ مِمَّا كانَ فيهِ وأَرْغَدُ؟٤
ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كَفِّهِ عند خروجه إلى الدنيا، وفي فتحها عند خروجه منها، وهو الإشارة إلى أنَّهُ خرج إليها مركَّبًا على الحِرْصِ والجَمْع٥، وفَارَقَها صِفْر اليدين منها، وأنشدوا في ذلك:
(١) أي: لسهولة معرفته. والمثبت من (م)، وفي باقي النسخ: برخصه عن.
(٢) في (ح) و(م): للمألوف. و"المَأْلَف": الموضع الذي يألفه الإنسان. "المصباح المنير" (٢٥).
(٣) في جميع النسخ: إرهاصًا! والمراد بـ "إرهاص" أنَّه مقدِّمةٌ له، وإيذانٌ به. انظر: "تاج العروس" (١٧/ ٦٠٨).
(٤) "ديوان ابن الرومي" (٣٩٣)، ولفظه: لِمَا تُؤذِنُ الدنيا به من صُرُوفها … يكون بكاءُ الطفل ساعةَ يُولَدُ وإلَّا فما يبكيه منها وإنَّها … لأَفْسَحُ ممَّا كان فيه وأرغَدُ إذا أَبْصَرَ الدنيا اسْتَهَلَّ كأنَّه … بما سوف يلقى من أذاها يُهَدَّدُ