التبيان

مَصَّ إصْبَعَهُ إشارةً إلى نهاية فَقْرِهِ، وأنَّه بلَغَ منه إلى مَصِّ الأصابع، ومنه قول النَّاس لِمَنْ بلَغَ به الفقرُ غايته: "هو يَمُصُّ أصابِعَهُ".

ويَهْوِي إلى فِيهِ يَمُصُّ بَنَانَهُيُطَالِبُ بالتعجيلِ خَوفَ التشَاغُلِ
ويُعْلِمُهُم: إنِّي فقيرٌ وليس ليمن القُوتِ شيءٌ غيرُ مَصِّ أَنَامِلي

ونظير هذه الإشارة أنَّه يُحْدِثُ حالَ ولادته، يقول بلسان الحال: لا تُنْكِرُوا إحدَاثَ من استفتح بالحَدَثِ في دار الحَدَث١، كذلك كنتم من قبل، وليس العَجَبُ ممَّن أحدَثَ؛ بل العجَبُ ممن يُطَهَّرُ من الحَدَث.

ويُحْدِثُ بين الحاضِرين إشارةًإلى أنَّهُ من حادِثٍ ليس يُعْصَمُ
يقول: وعندِي بعدَ ذِي أخواتُهاوما منكُمُ إلَّا وذُو العَرْشِ أَرْحَمُ

ونظير هذه الإشارة أنَّه يضحك بعد الأربعين، وذلك عندما يتعقَّلُ نَفْسَهُ الناطِقَةَ ويدركُها، وفي ذلك قِصَاصٌ من البكاء الذي أصابه عند ولادته. وتأخَّرَ بعده؛ لئلَّا يَيْأَس٢ العبدُ إذا أصابته شدَّةٌ، فالفَرَجُ كامِنٌ بِطَيِّهَا في آثارها.

ويَضْحَكُ بعدَ الأربعين إشارةًإلى فَرَجٍ وَافَاهُ بعدَ الشَّدَائدِ
يقولُ: هي الدنيا، فَتُبْكِيكَ مرَّةًوتُضْحِكُ أخرى، فاصْطَبِرْ للعوائِدِ
  1. (١) "في دار الحَدَث" ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) من (ط)، وفي باقي النسخ: يتأسَّى.
    وفي (ح) و(م): "لكي يتأسَّى"، وهذا معنىً صحيح، فإن التَّأْسِية: التَّعْزِية. تقول: أَسَّاهُ تأسِيَةً فتأسَّى؛ أي: عزَّاهُ فتَعَزَّى. "القاموس" (١٦٢٦).
547

قالوا: ويرى المنامات بعد ستين يومًا من ولادته، ولكن ينساها لِضَعْف القوَّةِ الحافظة، وكثرة الرُّطُوبات. وفي ذلك لُطْفٌ به - أيضًا - لضَعْفِ١ قلبه عن التفكر فيما٢ يراه.

ويرى بعَيْنِ القلبِ - إذ تأتي لهستون يومًا - رؤيةَ الأحلامِ
لكنَّهُ ينْسَاهُ بَعْدُ لضَعْفِهِعن ضَبْطِهِ في يَقْظَةٍ ومَنَامِ

فصل

ولمَّا تكامَلَ "للنُّطْفة" أربعون يومًا فاستَحْكَمَ نُضْجُها، وعقَدَتْها حرارةُ "الرَّحِم"؛ استعدَّت لحالةٍ هي أكملُ من الأُولَى، وهي الدمُ الجامد٣ الذي يشبه "العَلَقَة"، ويَقْبَلُ الصورةَ ويحفظُها بانعقادها وتماسُكِ أجزائها.

فإذا تَمَّ لها أربعون استعدَّت لحالةٍ هي أكمل من الحالتين قبلها، وهي صيرورتها لحمًا أَصْلَبَ من "العَلَقَة"، وأقوى وأحفظ "للمُخِّ"٤ المُودَعِ فيها، واللحمِ الذي هو كِسْوَتُها، والرِّبَاطَاتِ٥ التي تُمسك أجزاءه، وتشدُّ بعضَها إلى بعضٍ، و"الكبدِ" الذي يأخذ صَفْوَ الغذاء فيرسله إلى سائر الأعضاء، وإلى "الشَّعْر" و"الظُّفُر". و"الأمعاءِ" التي هي

  1. (١) ساقط من (ز).
  2. (٢) في (ك): لما.
  3. (٣) تصحفت في (ز) إلى: الحامل!
  4. (٤) من (ط)، وفي باقي النسخ: والمخ.
  5. (٥) من (ح) و(م) وهامش (ك)، وفي أصل (ك) وباقي النسخ: والرطوبات.
548

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي