بقاؤها فيه بطُولِ مَسْلَكِها، وكثرة تَعَاوِيجه١، كما فُعِل في مجاري "المَنِيِّ"، وشبكة "الدِّمَاغ". وهذا شأن "العُرُوق الجَوَاذِب".
وأمَّا شأنُ "العُرُوق الضَّوَارِب" فبالعكس من ذلك، فإنَّها جُمِعَت في مَقْعَر "الكبد" دون مَجْذِبِها؛ لأنَّه موضع "الدَّم"، وحاجته إلى التغذية بالحرارة ماسَّةٌ.
قال "جالينوس": "ولا تُقَسَّم "العُرُوق الضَّوَارب" في مَجْذِبٍ يعلم الخالقُ - سبحانه - أنَّ جَذْبَةَ "الكبد" تتحرَّكُ دائمًا بمجاورة "الحِجَاب"٢، فيقوم لها ذلك مقام حركة "العُرُوق الضَّوَارب".
وجُعلت هذه "العُرُوق الضَّوَارب" دِقَاقًا٣؛ لأنَّها إنَّما وُضِعَت لترويح "الكبد" لا لتغذيتها، ولا لإيصال "رُوحٍ" إليها، إذ ليس بـ "الكبد" حاجةٌ إلى قبول "رُوحٍ" حيوانيٍّ كبيرٍ، ولا يحتاج لحمُها [إلَّا]٤ إلى غذاءٍ لطيفٍ بخاريٍّ".
فصل
وأَحْرَزَ الصانعُ - سبحانه - موضعَ "الكبد" ووَضْعَها، بأن رَبَطَها
(١) في (ح) و(م) و(ط): تعاريجه.
(٢) في مكانه بياض في (ز)، وفي (ط): الحدب! و"الحِجَاب": لحمةٌ رقيقةٌ مستبطِنة بين الجنْبَين، تحُول بين "الرئة" و"المَعْي". انظر: "غاية الإحسان" للسيوطي (٣٧٢)، و"الإفصاح في فقه اللغة" للصعيدي (٦٠).
(٣) في (ح) و(م): رقاقًا.
(٤) زيادة مهمة لتمام المعنى.
بـ "المعدة" و"الأمعاء" كلِّها بـ "العُرُوق"، وبالغِشَاء الممدود على "البطن" الذي يَشُدُّ جميعها. وَوصَل بها رِبَاطَاتٍ من جميع النواحي، وغشاؤها الرابط لها يتصل بـ "الحِجَاب" برباطٍ قويٍّ.
ورباط "الكبد" بـ "الحِجَاب" ثخينٌ١ صُلْبٌ وثيقٌ؛ لأنَّ "الكبد" مُعَلَّقةٌ به، وهو أَصْلَبُ من غشاء "الكبد" لشدَّة الحاجة إلى صلابته؛ لأنَّه يَحْرِزُ "الكبدَ" و"العِرْقَ الأَجْوَفَ" الذي متى نالته آفةٌ مات الحيوان، كما تهلك أغصان الشجرة إذا أصاب ساقَها آفةٌ.
وجعل أَدَقَّ هذا الرِّبَاط٢ من خَلْف؛ لشَدِّهِ بـ "العظام"، وأغلظَهُ من قُدَّام حيث لا "عظام" هناك تقيه. وهذا من شِدَّة "الأَسْر" الذي قال الله - تعالى - فيها: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾[الإنسان: ٢٨]، أي: شَدَّ أوصالَهم بالرِّبَاطات المُحْكَمة، وجَمَعَ خَلْقَهم بعضه إلى بعض.
ولمَّا كان "الحِجَابُ" آلةً شريفةً للنَّفَس؛ بُوعِدَ عن العُضْوَين المُجَاوِرَين له - وهما "المعدة" و"الكبد" - بمقدار حاجته، لئلَّا يَزْحَمَاهُ ويَعُوقَاهُ عن فعله، فَبُوعِدَت "المعدةُ" عنه بطُول مجراها.
فصل
وأمَّا "الطِّحَال"؛ فبعضهم يقول: إنَّه لا نفع فيه، وإنَّما شُغِلَ المكان به لئلَّا يبقى فارغًا، فيميل أَحَدُ شِقَّي البدن بِثِقَل "الكبد"، فجُعِلَ موازنًا "للكبد".