بـ "المعدة" و"الأمعاء" كلِّها بـ "العُرُوق"، وبالغِشَاء الممدود على "البطن" الذي يَشُدُّ جميعها. وَوصَل بها رِبَاطَاتٍ من جميع النواحي، وغشاؤها الرابط لها يتصل بـ "الحِجَاب" برباطٍ قويٍّ.
ورباط "الكبد" بـ "الحِجَاب" ثخينٌ١ صُلْبٌ وثيقٌ؛ لأنَّ "الكبد" مُعَلَّقةٌ به، وهو أَصْلَبُ من غشاء "الكبد" لشدَّة الحاجة إلى صلابته؛ لأنَّه يَحْرِزُ "الكبدَ" و"العِرْقَ الأَجْوَفَ" الذي متى نالته آفةٌ مات الحيوان، كما تهلك أغصان الشجرة إذا أصاب ساقَها آفةٌ.
وجعل أَدَقَّ هذا الرِّبَاط٢ من خَلْف؛ لشَدِّهِ بـ "العظام"، وأغلظَهُ من قُدَّام حيث لا "عظام" هناك تقيه. وهذا من شِدَّة "الأَسْر" الذي قال الله - تعالى - فيها: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾[الإنسان: ٢٨]، أي: شَدَّ أوصالَهم بالرِّبَاطات المُحْكَمة، وجَمَعَ خَلْقَهم بعضه إلى بعض.
ولمَّا كان "الحِجَابُ" آلةً شريفةً للنَّفَس؛ بُوعِدَ عن العُضْوَين المُجَاوِرَين له - وهما "المعدة" و"الكبد" - بمقدار حاجته، لئلَّا يَزْحَمَاهُ ويَعُوقَاهُ عن فعله، فَبُوعِدَت "المعدةُ" عنه بطُول مجراها.
فصل
وأمَّا "الطِّحَال"؛ فبعضهم يقول: إنَّه لا نفع فيه، وإنَّما شُغِلَ المكان به لئلَّا يبقى فارغًا، فيميل أَحَدُ شِقَّي البدن بِثِقَل "الكبد"، فجُعِلَ موازنًا "للكبد".
(١) تصحفت في النسخ إلى: حين.
(٢) في (ح) و(م): وجعل أرقَّ هذه الرباطات.
قلت: وهذا غلطٌ من وجه، وصوابٌ من وجه:
فأمَّا الصواب؛ فمن الحِكَم العجيبة جَعْلُ "الطِّحَال" في الجانب الأيسر على موازنة "الكبد"؛ لئلَّا يميل الشِّقُّ الأيمن بها.
ولا يمكن أن تقوم "المعدةُ" بموازنة "الكبد"؛ لأنَّها١ - دائمًا - تمتلئ٢ وتخلو، فتارةً تكون أخفَّ من "الكبد"، وتارةً أرجحَ منها، فيصير البدنُ مترجِّحًا، أو يميل إلى شِقِّ "الكبد" وقتًا، وإلى شِقِّ "المعدة" وقتًا آخر.
فجعل الخالق - سبحانه - "الطِّحَال" يوازن "الكبد"، وجعل "المعدة" بينهما في الوَسْط؛ لئلَّا يَبِلَّ٣ جانبٌ ويَشِفَّ٤ آخر عند امتلائها وخُلُوِّها، فلما جُعِلَت وَسْطًا لم يختلف وضْعُ البدن باختلافها.
وأمَّا الغلط؛ فهو قوله: "إنَّه٥ لا منفعة فيه، وإنَّما يشغل المكان لئلَّا يبقى فارغًا"؛ فإنَّه لو لم يعلم فيه منفعة لم يكن له أن ينفيها، فإنَّ عدم العلم بالمنفعة لا يكون علمًا بِعَدَمِها، كيف ولا شيء في البدن خالٍ عن المنفعة أَلْبَتَّة؟
(١) في (ز): لئلا. وسقطت كلمة "دائمًا" منها.
(٢) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: تميل.
(٣) في (ح) و(م): يثقل. و"يَبِلُّ" من: البِلِّ - بكسر الباء، وتشديد اللام -، وهو الشِّفَاء والعافية، وتحسُّن الحال بعد الهُزَال. انظر: "مختار الصحاح" (٧٨)، و"القاموس" (١٢٥١).