فأمَّا الصواب؛ فمن الحِكَم العجيبة جَعْلُ "الطِّحَال" في الجانب الأيسر على موازنة "الكبد"؛ لئلَّا يميل الشِّقُّ الأيمن بها.
ولا يمكن أن تقوم "المعدةُ" بموازنة "الكبد"؛ لأنَّها١ - دائمًا - تمتلئ٢ وتخلو، فتارةً تكون أخفَّ من "الكبد"، وتارةً أرجحَ منها، فيصير البدنُ مترجِّحًا، أو يميل إلى شِقِّ "الكبد" وقتًا، وإلى شِقِّ "المعدة" وقتًا آخر.
فجعل الخالق - سبحانه - "الطِّحَال" يوازن "الكبد"، وجعل "المعدة" بينهما في الوَسْط؛ لئلَّا يَبِلَّ٣ جانبٌ ويَشِفَّ٤ آخر عند امتلائها وخُلُوِّها، فلما جُعِلَت وَسْطًا لم يختلف وضْعُ البدن باختلافها.
وأمَّا الغلط؛ فهو قوله: "إنَّه٥ لا منفعة فيه، وإنَّما يشغل المكان لئلَّا يبقى فارغًا"؛ فإنَّه لو لم يعلم فيه منفعة لم يكن له أن ينفيها، فإنَّ عدم العلم بالمنفعة لا يكون علمًا بِعَدَمِها، كيف ولا شيء في البدن خالٍ عن المنفعة أَلْبَتَّة؟
(١) في (ز): لئلا. وسقطت كلمة "دائمًا" منها.
(٢) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: تميل.
(٣) في (ح) و(م): يثقل. و"يَبِلُّ" من: البِلِّ - بكسر الباء، وتشديد اللام -، وهو الشِّفَاء والعافية، وتحسُّن الحال بعد الهُزَال. انظر: "مختار الصحاح" (٧٨)، و"القاموس" (١٢٥١).
وفي "الطِّحَال" من المنافع: أنَّه يجذب الفَضْلَةَ الغليظةَ العَكَرِيّةَ١ السوداءَ من "الكبد" - نوعًا من جنس "العُرُوق" كالعنق٢ له -، فإذا حُصِّلَتْ تلك الفَضْلَة عنده أَنْضَجَها وأَحَالَها. وهو يُنْضِجُ غليظَ "الدَّم" وعَكِرَهُ، كما يُنْضِجُ "القُولُون"٣ غليظَ الغذاء ويابِسَهُ.
ويستعمل في فعله "العُرُوق الضَّوَارب" الكثيرة الكبيرة المبثوثة فيه كلِّه، فما نضج واستحال إلى طبيعته صار غذاءً له، وما لم يمكن أن ينقلب إلى "الدَّم" الموافق له قَذَفَهُ إلى "المعدة" بِعُنُقٍ آخر من جنس "العُرُوق".