التبيان

ناريًّا. ولذلك كانت "الرِّئة" أخفَّ وزنًا منه، وأَسْخَفَ١ جِرْمًا، ومُمَالةً٢ إلى البياض.

وأمَّا "الطِّحَال" فتتغذَّى بما لَطُف [و]٣ صفَا من الخِلْط الأسود، وانْطَبَخَ في٤ "الشرايين"، فيستريح منه البدن، ويغتذي به "الطِّحَال".

فـ "الطِّحَال" يغتذي بغذاءٍ ألطف من غذاء "الكبد"؛ لأنَّه يرشح إليه من "الشرايين" التي صِفَاقَاتها ثَخِينَةٌ جدًّا. ولأجل سواد تلك الفَضْلَة وكونها عَكِرَة في الأصل، لم يكن لون "الطِّحَال" أحمر ولا مُشْرِقًا.

وأمَّا "الكبد" فتغتذي بدمٍ غليظٍ فاضلٍ، يرشح إليها من "العُرُوق" غير الضَّوَارب، فلجودة غذائها كان لونها أحمر، ولِغِلَظِه كانت كثيفة.

فـ "الكبد" تتغذَّى بدمٍ أحمر غليظٍ، و"الطِّحَال" بدمٍ أسود لطيفٍ، و"الرِّئة" بدمٍ صافٍ مشرِقٍ، في غاية النُّضْجِ، قريبٍ من طبيعة "الرُّوح". فجوهر كلِّ عضوٍ على ما هو عليه صُيِّرَ غذاؤه ملائمًا له، فالغَاذِي شبيهٌ بالمغتذي في طبعه وفعله.

وهذا كما أنَّه حكمة الله - سبحانه - في خلقه فيه جَرَت حكمته في شرعه وأمره، حيث حرَّمَ الأغذية الخبيثة على عباده؛ لأنَّهم إذا اغتذوا

  1. (١) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: وأخف.
    و"أَسْخَف" من: السُّخْف، وهو الرِّقَّةُ والهُزَال. "القاموس" (١٠٥٧).
    و"الجِرْم" - بكسر الجيم، وسكون الراء -: الجَسَد. "القاموس" (١٤٠٥).
  2. (٢) في (ح) و(م): "ومائلة"، وكلاهما صحيح، والمعنى واحد.
  3. (٣) زيادة مهمة. وكلمة "صفَا" حُشِرت بين السطور في (ز) و(ك)، وسقطت من (ح) و(م). وسقطت كلمة "لطف" من (ط).
  4. (٤) في (ز): من.
565

بها صارت جزءًا منهم، فصارت أجزاؤهم مشابهة لأغذيتهم، إذ الغاذي شبيهٌ بالمغتذي، بل يستحيل إلى جوهره.

ولهذا كان نوعُ الإنسان أعدلَ أنواع الحيوان مزاجًا، لاعتدال غذائه. وكان الاغتذاء بالدَّم ولحوم السِّبَاع يُورِث المغتذي بها قوَّةً شيطانيَّةً سَبُعِيَّةً عادِيَةً على النَّاس.

فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الأغذية وأشباهها، إلا إذا عارضها مصلحةٌ أرجح منها، كحال الضرورة.

ولهذا أكلت النَّصارى لحوم الخنازير، فأورثها نوعًا من الغِلْظَة والقَسْوة، وكذلك من أكل لحوم السِّبَاع والكلاب صار فيهم قوَّة١ منها.

ولمَّا كانت القوَّةُ الشيطانيَّة السَّبُعيَّةُ٢ ثابتةً لازمةً لذوات الأنياب من السِّبَاع حرَّمَها الشارع٣.

ولمَّا كانت القوَّةُ الشيطانيَّةُ عارضةً في الإبل أمر بكسرها بالوضوء لمن أكل منها٤.

  1. (١) ساقط من (ز)، و"منها" ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) في (ح) و(م): عارضة! وهو خطأ.
  3. (٣) كما في "صحيح مسلم" رقم (١٩٣٣) من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "كلُّ ذي نابٍ من السِّبَاع فأَكْلُهُ حرامٌ".
  4. (٤) كما في "صحيح مسلم" رقم (٣٦٠) من حديث جابر بن سَمُرة ﵁: أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ: أَأَتوضَّأُ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئتَ فتوضَّأ، وإن شئتَ فلا توضَّأ"، قال: أتوضَّأُ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم؛ فتَوَضَّأْ من لحوم الإبل". . . الحديث.
566

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي