عَمِشَت١ عينُهُ عن الرُّسُل وما جاءوا به، وهو ممَّن قال الله - تعالى - فيه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾[غافر: ٨٣].
وطريقةِ مَنْ يجحد ذلك كلَّه، ويكذِّب قائله، ويظنُّ منافاته للشريعة، فيجحد حكمة الله - تعالى - في خلقه، وإبداعه في صُنْعه؛ جهلًا منه.
وكلا الطريقين مذمومٌ، وسالكه من الوصول إلى الغاية محرومٌ. فلا نكذِّب بشرع الله، ولا نجحد حكمة الله.
وأكثرُ ما أفسد النَّاسَ أنَّهم لم يَرَوا إلا طبائعيًّا زنديقًا مُنْحَلًّا عن الشرائع، أو مُتَسَنِّنًا٢ قادحًا فيما جرت به حكمة الله - تعالى - ومشيئته في خلقه، منكرًا للقُوى، والطبائع، والأسباب، والحِكَم، والتعليل.
فإذا أراد الأوَّلُ أن يدخل في الإسلام جَبَذَهُ٣ إلى زندقته٤ جهلُ هؤلاء، ومكابرتهم للمعقول والحِسِّ.
وإذا أراد الثاني٥ أن يدخل في معرفة الحِكَم والغايات، وما أودع
(١) "العَمَش": ضعف البصر مع سيلان الدمع في أكثر الأوقات. "القاموس" (٧٧٣). و"وقعررت وعميت عمشت" جاءت في هامش (ك)، وسقطت من (ح) و(م) و(ط).
(٢) في (ك): متسيًا! وفي (ط): مسيئًا، وفي (ح) و(م): متساهلًا. وما أثبته من (ز). والمعنى: أنَّه محسوبٌ على أهل السُّنَّة كحال الأشاعرة الذين ينكرون الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى.
(٣) في (ح) و(م): صدَّه، وفي باقي النسخ: جبذته، والصواب ما أثبته.
(٤) "إلى زندقته" ساقط من (ح) و(م).
(٥) من (م)، وفي باقي النسخ: هذا، وسقط من (ح).
اللهُ في مخلوقاته من المنافع والحِكَم والقوى والأسباب؛ جَبَذَهُ إلى جهله١ زندقةُ هؤلاء وكفرهم، وإعراضُهم عمَّا جاءت به الرُّسُل، وفَرَحُهم٢ بما عندهم من العلم، فيختارُ دينَهُ على عقله، ويختارُ ذلك عقلَه وما استقرَّ عنده - ممَّا لا يكابر فيه حِسُّهُ ولا عقلُه - على الدِّين٣.
وهذا قد بُلي به أكثر٤ الخَلْق، فما قَرَّرهُ أئمَّةُ٥ الأطبَّاء والطبائعيين أحد أنواع أدلَّة التوحيد، والمَعَاد، وصفات الخالق، وما أخبرت به الرُّسُل٦، بل هو من أظهر أدلَّته، فلا يزداد الباطن فيه إلا إيمانًا.
وما أخبرت به الرُّسُل لا يناقض ما جرت به عادة الله - تعالى - وحكمته٧ في خلقه: من نَصْب الأسباب، وترتيب مسبَّباتها عليها بعلمه
(١) "إلى جهله" ملحق بهامش (ز)، وسقط من باقي النسخ. و"جَبَذَه" ملحق بهامش (ك)، وفي (ح) و(م): صدَّه.
(٢) في (ح) و(م): وقدحهم! تصحيف.
(٣) أي: أنَّ هذا المنتسب إلى الإسلام ممَّن تأثَّر بعلم الكلام - من الأشاعرة ونحوهم - يحتار بين ما يقتضيه عقله وحِسُّه من القول بالحكمة والتعليل في أفعال الرَّبِّ ﷾، وبين بقائه على ما كان يعتقده قديمًا من نفي ذلك، فيختار البقاءَ على اعتقاده القديم، مع أنَّ عقله وما استقرَّ في نفسه وفطرته - ممَّا تضطرُّ القلوبُ للإقرار به بداهةً -، ولا يكابر فيه لا حِسُّه الصافي، ولا عقله الوافي = يختار ترك ذلك الاعتقاد الخاطئ، والله الهادي.
(٤) "به أكثر" ساقط من (ك) و(ح) و(م) و(ط).
(٥) "فما قرره أئمة" ساقط من (ح) و(م) و(ط)، وبدلًا منه في (ك): منه بما شاء الله!