وحكمته١. فمصدر خَلْقِهِ٢ وأمرِهِ علْمُهُ - تعالى - وحكمتُه. وأدلَّةُ٣ الرَّبِّ - تعالى - وآياتُه لا تتعارض ولا تتناقض، ولا يُبطل بعضها بعضًا. والله أعلم.
و"القلب" بمنزلة التَّنُّور، أو بمنزلة أَتُون الحَمَّام يُسَخِّن ماءَهُ، وله إلى كلِّ بيتٍ مَنْفَذٌ ينفذ فيه وَهَجُ النَّار إليه. وكذلك الحارُّ الغريزيُّ الذي منبعه من "القلب" ينفذ في مسالك ومنافذ إلى جميع الأعضاء فيسخِّنُها٥.
فصل
وجُعلت الأعضاء مسلكًا مؤدِّيًا، و"المعدة" هي الآلة لهضم٦ الغذاء واستمرائه، و"الأمعاء" تؤدِّي ذلك إلى "الكبد".
ولمَّا كانت "الأمعاء" آلة الأداء والاتصال كَثُرت لفائفها وطولها، وكانت "العُرُوق" التي تأتيها من "الكبد" لا تحصى كثرةً، لينفذ فيها
(١) في جميع النسخ: وحكمه، والصواب ما أثبته.
(٢) "فمصدر خلقه" ساقط من (ك).
(٣) في (ح) و(م): وآلاء.
(٤) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: بهما.
(٥) ساقط من (ك).
(٦) من (ز)، وفي باقي النسخ: تهضم.
الغذاء أوَّلًا فأوَّلًا، وتستقضيه يسيرًا يسيرًا. فلولا تطويل لفائف "الأمعاء" لكان الغذاءُ يخرج قبل أخذ خاصيَّته، وكانت تعرض لهم شهوةُ الأكل دائمًا، وكان الإنسان يعدم التفرغ لمصالحه وسائر أعماله، وكان - دائمًا - مُكِبًّا على الغذاء. ولهذا صار الحيوان الذي ليس١ لأمعائه استدارات بل له مِعىً واحدٌ مستقيمٌ مكبًّا على الغذاء٢، عديم الصبر عنه كالمسكِر٣.
وأمَّا ما لأمعائه استدارات فإنَّه إذا فَاتَهُ الغذاءُ أو بعضُه في الاستدارة الأُولَى صادفه في الثانية، فإن فاته في الثانية صادفه في الثالثة، والرابعة والخامسة كذلك، فيمكن صبره عن الغذاء؛ حكمةٌ بالغةٌ.
وتنفذ إلى "الأمعاء" شُعَبٌ٤ من "العُرُوق الضاربة"، تأخذ من الغذاء جزءًا يسيرًا لطيفًا. وأمَّا "العُرُوق غير الضاربة" - هي مجاري الغذاء بالحقيقة - فأخذت أكثره.
وأمَّا "العُرُوق الضاربة" فجُعِلت مسلكًا للأرواح المنبعثة من "القلب"، فاستغْنَت بقليل الغذاء، وجعل "للقلب" وَصْلَةٌ بـ "الأمعاء" ليُسَخِّنَها أوَّلًا، ويَمُدَّها بقوَّة الحياة٥ بإذن خالقه، ثُمَّ يأخذ منها الجزء الملائم من الغذاء المستغني عن فعل "الكبد"؛ للطافة جوهره، فإنَّ هذا
(١) ساقط من (ح) و(م).
(٢) من قوله: "ولهذا صار الحيوان. . ." إلى هنا؛ ألحق بهامش (ز).
(٣) في (ك) و(ط): كالمسك، وفي (م): كالفيل! وأهملت في (ح).