الجزء لو حصل في "الكبد" لم يُؤْمَن احتراقُهُ١ وفساده، فلا ينتفع به "القلب"، ثُمَّ يأخذ منها عند شدَّة الحاجة وصدق المجاعة، فيتعجَّل ذلك من أدنى المواضع.
وكذلك يُشَاهد من أكل مِن مَسْغَبةٍ شديدةٍ يحسُّ بزيادةٍ ونماءٍ في كلِّ أعضائه، حتَّى ما يمرُّ الطعامُ بـ "المعدة" إلا وقد أخذت الأعضاءُ حاجتها منه٢ قبل استقراره فيها؛ فسبحان مَنْ أتقنَ ما صَنَع.
ولمَّا كانت "المعدةُ" آلةَ هَضْم الغذاء، و"الأمعاءُ" آلةَ دفعه: جُعل "للأمعاء" طبقتان٣، ليقوَى دفعُها بهما جميعًا، وليكون ذلك حرزًا لها وحفظًا. وكذلك مَنْ تعرض له قُرْحَةٌ في "الأمعاء" بانجرادٍ٤ في أحد الصِّفَاقَين يبقى الآخر سليمًا. وجعلت "الأمعاء" الغِلَاظُ لقذف الثُّفْلِ، والدِّقَاقُ لتأدية الغذاء.
والسبب في أن صار٥ الإنسان لا يحتاج إلى تناول الغذاء دائمًا: كثرة لفائف أمعائه.
والسبب المانع من قذف الفُضُول دائمًا: سَعَة "الأمعاء" الغِلَاظ التي تقوم له مقام وعاءٍ آخر، شبيهٍ بـ "المعدة" في السَّعَة، كما أنَّ "المثانة" وعاءٌ للبول كذلك.
(١) في جميع النسخ: اصرافه! ولعله تحريف ما أثبت.
(٢) "إلا وقد أخذت الأعضاء حاجتها منه" ساقط من (ح) و(م).
ونحن نذكر فصلًا مختصرًا في هذا الباب، نجمع لك شتاته بإيضاحٍ وإيجازٍ - إن شاء الله تعالى، وبه الحَولُ والقوَّة -؛ فنقول:
"المريء" موضوعٌ خلف "الحُلْقُوم" ممَّا يلي فَقَار "الظَّهْر"، وينتهي في ذهابه إلى "الحِجَاب"، وهو مشدودٌ برباطاتٍ. فإذا بَعُدَ "الحِجَاب" مال إلى الجانب الأيسر واتَّسَعَ، وذلك المُتَّسِعُ هو "المعدة"، وأسفلها يعود مائلًا إلى اليمين.
و"المعدة" مُفَرْطَحَةٌ، وفَمُها هو المُسْتَدِق منها، ويسمُّونه: "الفؤاد"، وهذا من غلطهم - إلَّا أن يكون ذلك اصطلاحًا خاصًّا منهم - فإنَّ "الفؤاد" عند أهل اللغة هو: "القلب".
قال الجوهري: "الفؤادُ: القلبُ"١.
وقال الأصمعي: "وفي الجَوْف الفؤاد، وهو القلب"٢.
وقد فرَّق بعض أهل اللغة بين "القلب" و"الفؤاد"، فقال الليث: "القلب: مُضْغَةٌ من الفؤاد، معلَّقةٌ بالنِّيَاط"٣.
وقالت طائفةٌ: " [الفؤاد:]٤ مُسْتَدِق٥ القلب".
(١) "الصحاح" (٢/ ٥١٧).
(٢) "خلق الإنسان" له، وهو ضمن "الكنز اللغوي" (٢١٨).
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (٩/ ١٧٢).
(٤) زيادة لفهم الكلام.
(٥) كذا في جميع النسخ، ولعل المراد أنَّ الفؤاد شيءٌ دقيقٌ في القلب، وهو ما يذكرونه بـ "سويداء القلب". =