ونحن نذكر فصلًا مختصرًا في هذا الباب، نجمع لك شتاته بإيضاحٍ وإيجازٍ - إن شاء الله تعالى، وبه الحَولُ والقوَّة -؛ فنقول:
"المريء" موضوعٌ خلف "الحُلْقُوم" ممَّا يلي فَقَار "الظَّهْر"، وينتهي في ذهابه إلى "الحِجَاب"، وهو مشدودٌ برباطاتٍ. فإذا بَعُدَ "الحِجَاب" مال إلى الجانب الأيسر واتَّسَعَ، وذلك المُتَّسِعُ هو "المعدة"، وأسفلها يعود مائلًا إلى اليمين.
و"المعدة" مُفَرْطَحَةٌ، وفَمُها هو المُسْتَدِق منها، ويسمُّونه: "الفؤاد"، وهذا من غلطهم - إلَّا أن يكون ذلك اصطلاحًا خاصًّا منهم - فإنَّ "الفؤاد" عند أهل اللغة هو: "القلب".
قال الجوهري: "الفؤادُ: القلبُ"١.
وقال الأصمعي: "وفي الجَوْف الفؤاد، وهو القلب"٢.
وقد فرَّق بعض أهل اللغة بين "القلب" و"الفؤاد"، فقال الليث: "القلب: مُضْغَةٌ من الفؤاد، معلَّقةٌ بالنِّيَاط"٣.
وقالت طائفةٌ: " [الفؤاد:]٤ مُسْتَدِق٥ القلب".
(١) "الصحاح" (٢/ ٥١٧).
(٢) "خلق الإنسان" له، وهو ضمن "الكنز اللغوي" (٢١٨).
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (٩/ ١٧٢).
(٤) زيادة لفهم الكلام.
(٥) كذا في جميع النسخ، ولعل المراد أنَّ الفؤاد شيءٌ دقيقٌ في القلب، وهو ما يذكرونه بـ "سويداء القلب". =
وقد قال النبيُّ ﷺ: "جاءكم أهل اليمن؛ [هم] أَرَقُّ قلوبًا، وأَلْيَنُ أفئدَةً"١؛ ففرَّق بينهما؛ ووصف "القلب" بالرقَّة، و"الأفئدة" باللِّين.
وأمَّا كون فَمِ "المعدة" هو "الفؤاد" فهذا لا نعلم أحدًا من أهل اللغة قاله.
وتأمَّلْ وصْفَ النبيِّ ﷺ "القلب" بالرقَّة التي هي ضدُّ القَسَاوَة والغلظة، و"الفؤاد" باللِّين الذي هو ضدُّ اليُبْس والقسوة. فإذا اجتمع لِينُ "الفؤاد" إلى رِقَّة "القلب" حصل من ذلك الرحمة، والشفقة، والإحسان، ومعرفة الحقِّ وقبوله. فإنَّ اللِّينَ موجِبٌ٢ للقبول والفهم، والرقَّةَ تقتضي الرحمة٣ والشفقة. وهذا هو العلم والرحمة، وبهما كمال الإنسان، وربُّنا وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا.
فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول:
"المعدة" مع "المريء" ذات طبقتين لطيفتين. واللَّحْم في الطبقة الداخلة أقلُّ، ولهذا يغلب عليها البياض، وهي عصبيَّةٌ حسَّاسَةٌ. وهو في الطبقة الخارجة أكثر، ولهذا تغلب عليها الحُمْرة، وهي مربوطةٌ مع٤
(١) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٤٣٨٨، ٤٣٩٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٥٢)؛ من حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه: "أتاكم أهل اليمن؛ هم ألين قلوبًا، وأرقُ أفئدة". وفي لفظ لهما: "أضعف قلوبًا، وأرقُ أفئدة".