مَحَلًّا للغذاء - وهذا لغة العرب، كما يقولون: القَمَران، والعُمَران، والرُّكْنَان اليمانيَّان، والشامِيَّان، والعراقِيَّان١، ونظائر ذلك -، ولا سيَّما فإنَّ تركيب "الأمعاء" كتركيب "المعدة"، إذ هي مركَبةٌ من طبقتين: لَحْميَّةٍ خارجةٍ٢، وعصبيةٍ داخلةٍ.
والطبقة الدَّاخلة فيها٣ لُزُوجَاتٌ متصلةٌ بها؛ لتقيها من تراكم٤ البَرَاز، ورداءة كثِيفهِ ولَفيفِه٥، فلا تمسكه ولا يتعلَّق بها شيءٌ منه.
ولمَّا كان الكافر ليس في قلبه شيءٌ من الإيمان والخير يغتذي به؛
(١) هذا من باب المثنَّى الجاري على التغليب: فالقَمَران: هما الشمس والقمر. والعُمَران: هما أبو بكر وعمر ﵄. وقيل: هما عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وهذا قول قتادة! وحينئذٍ يكون من باب المثنَّى الحقيقي، لكن الأول أشهر. انظر: "جَنَى الجنتين في تمييز نوعَي المثنَّيين" للمحبِّي (٨١، ١٢٥، ١٢٦). وأمَّا "الركنان اليمانيَّان" فهما: الركن اليماني، وركن الحجر الأسود. و"الركنان الشاميَّان" هما: اللذان بإزاء حِجْر إسماعيل، ويتوسطهما ميزاب الكعبة. و"الركنان العراقيَّان" هما: ركن الحجر الأسود والذي يليه من جهة باب الكعبة. انظر: "زاد المعاد" (٢/ ٢٢٦).
(٢) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: خارجية.
(٣) في جميع النسخ: منها، وما أثبته أصوب.
(٤) في (ح) و(م): حاكم، وفي باقي النسخ: حلام، ولعل ما أثبته هو الصواب.
(٥) العبارة في (ز) و(ك) و(ط) هكذا: ولرداته تحفيه ولزيفه! وفي (ح) و(م): ورداءة كثيفه ولزيفه. ولعل ما أثبته هو الصحيح. والمراد بالكثيف: الغليظ. وباللفيف: المتجمِّع المختلِط.
انصرفت قُواه ونَهْمَتُه كلُّها إلى الغذاء الحيوانيِّ البهيميِّ، لمَّا فَقَدَ الغذاءَ الروحيَّ القلبيَّ، فتوفرت أمعاؤه وقُواه على هذا الغذاء، واستفْرَغَتْ أمعاؤه هذا١ الغذاء وامتلأت به بحسب استعدادها وقبولها، كما امتلأت به "العُرُوق" و"المعدة".
وأمَّا المؤمن فإنَّه إنَّما يأكل العُلْقَة٢ ليتقوَّى بها على ما أُمِرَ به، فهِمَّتُه وقُوَاه مصروفةٌ إلى أُمورٍ٣ وراء الأكل. فإذا أخَذَ ما يُغَذيه ويقيمُ صُلْبَه استغنى قلبُه ونفسُه وروحُه بالغذاء الإيماني عن الاستكثار من الغذاء الحيوانيِّ، فاشتغل مِعَاهُ الواحد - وهو "قُولُون" - بالغذاء، فأمسكه حتَّى أخذت منه الأعضاءُ والقُوى مقدارَ الحاجة، فلم يحتج إلى امْتِلَاءِ٤ أمعائه كلِّها من الطعام، وهذا أمرٌ معلومٌ بالتجربة.
وإذا قويت موادُّ الإيمان، ومعرفةِ الله وأسمائه وصفاته، ومحبتِه، ورجائه، والشوقِ إلى لقائه في "القلب" = استغنى بها العبدُ عن كثيرٍ من الغذاء، ووجد لها قوَّة تزيد على قوَّة الغذاء الحيوانيِّ.
فإن كَثُفَت طِبَاعُك عن هذا، وكنتَ عنه بمعزلٍ؛ لاشتغالك بالغذاء الحيوانيِّ وامتلائك به٥، فتأمَّلْ حال الفَرِح المسرور بتجدُّدِ نعمةٍ عظيمةٍ، واستغنائه مدَّةً عن الطعام والشراب مع وفور قوَّته، وظهور
(١) في (ز) و(ك) و(ط): على هذا.
(٢) "العُلْقَة": كل ما يُتَبلَّغُ به من العيش. "القاموس" (١١٧٦).
(٣) في (ز) و(ك) و(ط): أمرٍ.
(٤) في (ح) و(م): أن يملأ.
(٥) من قوله: "لاشتغالك بالغذاء. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).