التبيان

الدَّمَوِيَّة١ على بَشَرَته، وتَغَذِّيه بالسرور والفرح. ولا نسبة لذلك إلى فرح "القلب" ونعيمه، وابتهاج "الرُّوح" بقُرْب الرَّبِّ - تعالى - ومحبته ومعرفته، كما قيل٢:

لها أحادِيثُ من ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهاعن الشَّرَابِ، وتُلْهِيها عن الزَّادِ

وقد قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "إنِّي أَظَلُّ عند رَبِّي يُطْعِمُني ويَسْقِيني"٣. وصدق الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنَّ المقصودَ من الطعام والشراب التغذيةُ المُمْسِكَةُ، فإذا حصل له أعلى الغذاءين وأشرفُهما وأنفعُهما فكيف لا يُغْنيه ذلك عن الغذاء المشْتَرَك.

وإذا كنَّا نشاهد أنَّ الغذاءَ الحيوانيَّ يَغْلِب على الغذاء القلبيِّ الروحيِّ حتَّى يصير الحكم له، ويَضْمَحِلَّ غذاء "القلب" و"الرُّوح"٤ بالكُلِّية، فكيف لا يضمحِلُّ غذاء البدن عن استيلاء غذاء "القلب" و"الرُّوح" ويصير الحكم له؟

  1. (١) في (ك): الذمومة!
  2. (٢) البيت لإدريس بن أبي حفصة.
    انظر: "زهر الآداب" للقيرواني (١/ ٥٠٧) وفيه: "عن الرُّتُوع" بدل "عن الشراب"، و"الأنوار ومحاسن الأشعار" للشمشاطي (١/ ٤٠١) وفيه: "عن الرُّبُوع".
  3. (٣) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٧٢٤١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١١٠٤)؛ من حديث أنس ﵁ بلفظ: "إني أظَلُّ يطعمني ربي ويسقيني".
    وفي الباب عن عِدَّةٍ من الصحابة منهم: أبو هريرة، وأبو سعيد، وعائشة، وابن عمر ﵃.
  4. (٤) العبارة في (ح) و(م) هكذا: ويضمحلَّ هذا الغذاء.
579

وقد كان النبيُّ ﷺ يمكث الأيامَ لا يَطْعَمُ شيئًا١، وله قوَّة ثلاثين رجلًا، ويطوف - مع ذلك - على نسائه كلِّهنَّ في ليلةٍ واحدةٍ، وهُنَّ تسع نسوة٢.

وهذا المسيح ابن مريم ﷺ حيٌّ لم يَمُتْ، وغذاؤه من جنس غذاء الملائكة٣.

  1. (١) أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤٥٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٧٢)؛ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "إنْ كنَّا - آلَ محمد ﷺ لنمكُثُ شهرًا ما نستوقد بنارٍ، إنْ هو إلا التمر والماء"، واللفظ لمسلم.
    وفي الباب أحاديث كثيرة عن عِدَّةٍ من الصحابة ﵃ تدل على هذا المعنى.
  2. (٢) أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (٢٦٨، ٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٣٠٩)؛ عن أنس ﵁ أنه قال:
    "كان النبيُّ ﷺ يطوفُ على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذٍ تسعُ نِسْوةٍ". وجاء في لفظٍ للبخاري زيادة: قال قتادة: قلت لأنسٍ: أَوَ كان يطيقُه؟ قال: كنا نتحدث أنه أُعطِيَ قوة ثلاثين.
  3. (٣) وغذاء الملائكة هو التسبيح والتقديس، كما جاء ذلك في:
    ١ - حديث ابن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن طعام الملائكة؟ فقال: "طعامهم منطقهم بالتسبيح والتقديس".
    أخرجه: نعيم بن حماد في "الفتن" رقم (١٥٨١)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥١١) وقال: "صحيح على شرط مسلم" وتعقبه الذهبي بقوله: "كلا لا يصح؛ فسعيد - هو ابن سنان الحنفي - متَّهَمٌ تالِفٌ".
    وانظر: "السلسلة الضعيفة" رقم (٣٨٢٥)، و"ضعيف الجامع" رقم (٨٠٥٤).
    ٢ - وحديث أسماء بنت يزيد بن السَّكَن الأنصارية ﵂؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن طعام المؤمنين زمنَ الدجَّال؟ فقال: "يجزيهم ما يجزي أهل =
580

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي