وأنت تشاهد المريضَ يمكث الأيام العديدة لا يأكل ولا يشرب، لاشتغال نفسه بمجاذَبَةِ المرض ومدافعته، واكتفاء الطبيعة ببقية الغذاء الذي في "الأمعاء" و"المعدة" مع شِدَّة١ الحرب، فإذا وضعت الحرب أوزارها رأيتَ شدَّةَ طلبه للغذاء.
فالخائفُ، والمحبُّ، والفَرِحُ، والحزينُ، والمستولي عليه الفِكْرُ لا تطالبه نفسه من الغذاء بما تُطالب٢ به الخالي من ذلك.
فصل
و"الكبد" عضوٌ لحمِيٌّ تتخلَّلُهُ عروقٌ دِقاقٌ وغِلَاظٌ، وعلى "الكبد" غشاءٌ عصبيٌّ حسَّاسٌ يحيط بها، وينتهي إلى عِلَاقة.
و"الكبد" هي الأصل في الغذاء، وآلاتُ الغذاء خَدَمٌ لها ومُعِيناتٌ. فإنَّ الإنسان لمَّا كان كالشجرة المنتقِلَةِ جُعِلَ له ما يقوم مقام النهر الجاري في أصول الشجر يسقيها وهو "الأمعاء"، و"المعدة" بمنزلة العين، وتجري منها [العروق مجرى]٣ السَّوَاقي.
وعروق "الكبد" المتصلة بـ "الأمعاء". بمنزلة عروق الشجرة
= السماء من التسبيح والتقديس". أخرجه: عبد الرزاق في "المصنف" رقم (٢٠٨٢١)، وأحمد في "المسند" (٦/ ٤٥٦)، والطبراني في "الكبير" (٢٤/ رقم ٤٠٤ - ٤٠٦)، والبغوي في "شرح السُّنَّة" رقم (٤٢٦٣). وإسناده ضعيف؛ فيه: شَهْر بن حَوشَب، وأيضًا: قتادة مدلِّس وقد عنعن.
(١) في (ح) و(م): مدَّة.
(٢) "بما تُطالب" ساقط من (ح) و(م).
(٣) زيادة مهمة لاتساق الكلام.
المتصلة بأرض السَّاقية، تمتصُّ الماءَ منها وتؤدِّيه إلى الشجرةِ، وأغصانِها، وورقِها، وثمارِها. وهذه العروق تمصُّ الماءَ من الطِّين والثَّرَى. وكذلك عروق "الكبد" تمتصُّ صَفْوَ الماءِ وخالصَه من كَيْلُوسِهِ١، وتحيله إلى طبيعة الأعضاء، كما تفعل عروق الشجرة.
وشكل "الكبد" شَكْلٌ٢ هلاليٌّ، مُحَدَّبٌ من ظاهره، مُقَعَّرٌ من باطنه، وهي تحت "الأضلاع" الخمس، ولها خمس شُعَبٍ يقال لها: "الزوائد"، تحتوي على "المعدة" كما تحتوي "الكَفُّ" بأصابعها على الشيء المقبوض.
ويقال للشُّعْبة الصغيرة منها خاصةً٣: "زائدة الكبد"، وفي "الصحيح" عن النبيِّ ﷺ: "إنَّ سبعين ألفًا من أهل الجنَّة يأكلون من زيادة كبد الحوت، الذي هو أوَّلُ طعامهم"٤، وهذا يدلُّ على عِظَمِ قَدْرِ هذه الزيادة، فما الظَّنُّ بـ "الكبد" التي هي زيادته؟ فكيف بالحُوت الذي حواها؟
(١) "الكَيْلُوس": المواد الغذائية التي تتجمَّع على شكل كتلة عجينية في "المعدة" قبل أن تدخل "الأمعاء الدقيقة". "المعجم الوسيط" (٢/ ٨٠٨). وهي كلمة يونانية، عرَّبها الأطباء لدلالتها على إحدى مراتب الهضم، وسماه بعضهم: "الكَيْمُوس"، وذكروه في معاجم اللغة تحت مادة "كَمَسَ". انظر: "لسان العرب" (١٢/ ١٥٦)، و"تاج العروس" (١٦/ ٤٥٠)، و"قصد السبيل" للمحبِّي (٢/ ٤١٥).
(٢) "شكل" ملحق بهامش (ك).
(٣) بعدها في (ك) زيادة: صغيرة! ولا مكان لها.
(٤) سبق تخريجه (ص/ ٥٠٠ و٥١٣)، بدون ذكر السبعين ألفًا.