"الكبد" في العرق الأعظم المعروف١ بـ "الأجوف"، بعد أن تَصَفَّت٢ عنه المائية إلى آلة البَول، فيسلك هذا "الدَّم" في "الأَوْرِدَةِ" المُتَشَعِّبة من "الأَجْوَف"، ثُمَّ في جَدَاوِلَ مُتَشَعِّبة٣ من "الأَوْرِدَةِ"، ثُمَّ في سَوَاقٍ مُتَشَعِّبة من الجداول، ثُمَّ في رَوَاضِعَ مُتَشَعِّبة من٤ السَّوَاقي، ثُمَّ في عُرُوقٍ دِقَاقٍ٥ شَعْرِيَّةٍ، ثُمَّ يَرْشَحُ من أفواهها في الأعضاء لتغتذي به، فتُحِيلُهُ الأعضاء، وتسيرُ به بجواهرها، فيصير في "اللَّحْم" لحمًا، وفي "العَظْم" عَظْمًا، وفي "العَصَب" عَصَبًا، وفي "الظُّفُر" ظُفُرًا، وفي "الشَّعْر" شَعْرًا، وفي السَّمْع والبصر وآلةِ الحِسِّ كذلك. فتبارك من هذا صُنْعُهُ في قَطْرةٍ من ماءٍ مهينٍ.
فصل
و"الدَّمُ" هو الخِلْطُ الأصليُّ، والغذاءُ الحقيقيُّ للبدن، والمُخْلَفُ عليه بَدَل ما ينقص ويتحلَّلُ منه، والأخلاط الأُخَر كالأَبَازِير والتَّوَابِل.
وهو صنفان:
١ - لطيفٌ؛ وهو دم "القلب".
٢ - وغليظٌ؛ وهو دم "الكبد".
(١) ساقط من (ك).
(٢) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: نقصت.
(٣) في (ك): منشقة! وفي (ز) و(ط): منسقبه! وفي (ح) و(م): متثقِّبة، وما أثبته أصح، وكذا في مثيلاتها بعدها.
(٤) سقطت من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: في، وما أثبته أنسب.
(٥) ساقط من (ك).
ومَثَلُه مَثَلُ السلطان إذا كان وقورًا، حليمًا، ساكنًا؛ عاشَتْ به رعيته، وإذا غضب واحتَدَّ قَتَلَ.
فصل
وأمَّا "البَلْغَم": فخِلْطٌ فِجٌّ مُسْتَعْدٍ لَيِّنٌ، يستكمل نُضْجَه عند عَوَز الغذاء إذا ما تولَّتْهُ الحرارة الغريزيَّة، فهَضَمَتْهُ وصَيَّرَتْهُ دمًا، فيتكوَّنُ في "المعدة" و"الأمعاء"، وفي "الكبد" عند قصور الهضم.
وفيه من المنفعة أنَّه يرطِّبُ البدنَ، وَيَبُلُّ المفاصلَ، لِيُسْلِسَ١ حركاتها، ويخالِطُ "الدَّم" في تغذية الأعضاء البلغميَّة المِزَاج كـ: "الدِّماغ".
فإن قيل: ما الحكمة أنَّه لم يجعل "للبَلْغَم" عضوًا٢ مخصوصًا ينصبُّ إليه كـ "الرئتين"؟٣
قيل: لمَّا كانت الأعضاءُ محتاجةً أن يكون قريبًا منها لترطيبها؛ لم يُجْعَل له عضوٌ يختصُّ به، لا سيَّما والأعضاء تغتذي به إذا أَعْوَزَها الغذاءُ.